فهرس الكتاب
وبناء على ما تقدم فإننا نتلمس إطلاق مفهوم التخيل عند ضروب التصوير الممكنة فكرًا وعقيدة وممارسة على سبيل التشبيه والمماثلة القائمة في ذهن المعري... أما ما ارتبط بالصور المستحيلة والعجائبية فقد آثرنا ربطه بمفهوم التخييل وفق ما يستشف من تصور المعري له في رسالته... لا مما يستشف من الآراء العديدة عنه قديمها وحديثها؛ كما نراه عند أدونيس الذي جعل التخييل رؤية للغيب، وأخذه من فلسفة الإشراق عند ابن سينا، وبعض المتصوفة ( [26] ) ... ولذلك كله لا بد لنا من بيان طبيعة الخيال عند المعري...
طبيعة الخيال في رسالة الغفران:
لمّا جعل أبو نصر الفارابي (873-950م) التخييل غاية المحاكاة لخَلْق حالة من التأثير في نفس المتلقي؛ سواء أكان التخييل في الشيء نفسه أم في شيء آخر يضاهيه ( [27] ) كان المعري أكثر قدرة على ذلك حين جمع بين التخيل والتخييل؛ وزاد عليه في الإيحاء التصويري أنه ساق أفكاره في إطار من المناظرة والمقايسة حين ردَّ على أعدائه وخصومه؛ وأيَّد ما قاله بالبراهين والتجارب... فرسالة الغفران ـ في الأصل ـ ردٌّ على رسالة سابقة وردت إليه من ابن القارح (أبو الحسن علي بن منصور الحلبي...) وقد أملى المعري رسالته على كاتبه بمعرة النعمان سنة (424هـ/1033م) . وهي تعدّ ـ بحق ـ أعظم أثرٍ لغوي نقدي أدبي فني مؤلف في عقد واحد؛ نظمته مخيلة مبدعة لإنسان ما حتى يومنا... ويستند إلى ما يسمَّى اليوم بمفهوم (تراسل الفنون الأدبية: الرسالة ـ القصة ـ المشهد المسرحي) ... وإن طغى عليه شكل الحكايات الصغيرة التي غدا فيها ابن القارح ساردًا داخليًا ـ على الأغلب ـ.