فهرس الكتاب

الصفحة 19517 من 23694

ومن ثم فرسالة الغفران نمط تأليفي بديع من نوع خاص ينتمي إلى الخيال الأدبي؛ فهي رحلة ذهنية خالصة تخيلها عقل المعري الفذ الذي انتقل فيها على جسر الثقافة الموسوعية من عالم الدنيا (الأزل) بكل حقبه الزمانية وكثير من البيئات المكانية إلى عالم الآخرة (الأبد) على تعدد أسمائه مثل (المحشر والصراط، والأعراف ثم الجنة والنار) ؛ رحلة تتحرك فيها شخصيات الغفران بكل دقة وعناية، فتتجدد وعيًا وفَهْمًا وإلهامًا مع كل جيل من الأجيال حين تسوق الأشكال إلى أشكالها؛ وتثير في النفوس أفكارًا لا ينضب معينها، وعاطفة لا يخبو أوارها... إنها فن خلاّق ومثير في الخيال الأدبي لا تبلى جدته على مَرّ الدهر.

وقبل أن نتلمس ذلك كله نذكِّر بأن اسم (الغفران) أُخذ من إجابة كل شخص أدخله أبو العلاء الجنة؛ إذ كان يسأله: بِمَ غُفر له حتى كان من أهلها؟ ثم يعقد له ذلك بمشيئة الله ( [28] ) . أما اسم (الرسالة) فقد جاء من كونها رسالة جوابية على رسالة لابن القارح أرسلها إليه. وهو يطلق عليها هذا الاسم في مواضع عدة؛ كما في قوله:"وقد وصلت الرسالة التي بَحْرها مَسْجُور، ومَنْ قرأها مأجور، إذ كانت تأمر بتقبُّل الشرع؛ وتعيب من ترك أصلًا إلى فرع... فقد غُرس لمولاي الشيخ... شجر في الجنة لذيذ اجتناء" ( [29] ) .

وكذلك هو من أطلق عليها اسم (القصة) على لسان شخصيته الرئيسية (ابن القارح) حيث يقول:"أنا أقص عليك قصتي" ( [30] ) ؛ أي حكايتي، وروايتي وخبري. ومن ثم نجد في ثنايا أي قصة يسردها في (الغفران) جملة من مشاهد تخيلية أو تخييلية طريفة ومدهشة تجنح جنوحًا مسرحيًا حيًا، كما نعرفه اليوم في الفن المسرحي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت