فهرس الكتاب

الصفحة 19518 من 23694

وبناء على ذلك فلسنا نشك في أن رسالة الغفران تقع في قسمين: الأول؛ أتى ـ في طبعة د. بنت الشاطئ ـ بعد رسالة ابن القارح (129-379) وفيه تحركت شخصية ابن القارح من الأزل إلى الأبد في عالم عجائبي تخييلي أكثر مما هو تخيلي واقعي، والثاني جاء من (381) إلى (584) ؛ وظهرت فيه ثقافة المعري العظيمة وقدرته على المعارضة والتحليل والسخرية من ابن القارح... على حين أن المتعارف عليه في المراسلة إظهار المجاملة والتلطف؛ لا الثورة العنيفة المبطنة على صاحب الرسالة الأولى...

ومن هنا نقول: إن الناظر المتعجل لبنية (الغفران) وما عرفه الناس من نظام الرسائل الإخوانية ـ بما فيها الجوابية ـ يدرك أن بنية الرسالة اتجهت اتجاهًا جديدًا في الحجم أو الطول... فقد جرت مجرى الكتب... ولم يغفل صاحبها عن طولها بعد أن لمس هذا في نهاية القسم الأول فقال:"وقد أطلت هذا الفصل، ونعود الآن إلى الإجابة عن الرسالة". ( [31] )

فالقسم الأول لم يخلص لفن الرسالة ـ وكذا الثاني ـ بأي شكل من الأشكال؛ وإنما مثّل الفن القصصي بكل تجلياته المعروفة اليوم من دون أن ينفصم عن طبيعة أبي العلاء وثقافته، وطبيعة عصره وبيئته... مما يعني أنه لم يتحرر من نظام الرسائل وقواعده المعروفة في زمانه تحررًا كليًا وكاملًا. فقد فرض المضمون المعالج مادته وشكله على المعري؛ مما جعله يجمع بين عدة فنون أدبية تتراسل فيما بينها لتلبية الغرض المقصود. وكان عقل المعري الصَّنَاع القادر على التخييل والجمع والتوفيق وراء ذلك، إذ استجاب للإبداع حين اعتمد على قانونين اثنين:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت