فهرس الكتاب
ولذلك طفق المعري يسخر من ابن القارح، ويتهكم منه بأساليب حكائية عديدة تمد بينها وبين الخيال العجائبي، والخيال التصويري الموحي حبالًا متينة... وعمد إلى هذا منذ افتتاح الرسالة؛ ولا سيما أنه مزج ذلك بالأدعية الكثيرة التي تشي بالسخرية اللاذعة منه؛ كقوله:"قد علم الجَبْر الذي نُسب إليه جَبْرئيل... أن في مسكني حَماطةً؛ ما كانت قط أَفانيةً... تثمر من مودة مولاي الشيخ الجليل ـ كبَت الله عدوَّه، وأدام رواحه إلى الفضل وغُدُوَّه ـ ما لو حملَتْه العالية من الشجر لدنت إلى الأرض غصونها" ( [36] ) .
فهذه المقدمة قد تخدع بصيغها التعبيريةِ المباشرةِ القارئَ المتعجل؛ وقد يوقن بأنها رسالة جوابية إخوانية تحمل من الثناء على ابن القارح ما تحمله من الإجلال... فمنهجها منهج ترسلي عربي خالص قائم على مبدأ (الاستطراد) الذي ساعده على مزجه بفنون أخرى في عقده لرحلة ابن القارح من الأزل إلى الأبد (الحشر فالصراط... ثم الجنة) ... وقد يقول قائل ـ أيضًا ـ: إن التكنية عن حَبَّة القلب بنوع من الشجر يسمى (الحماطة) ؛ أو بألفاظ (الحَِضْب) و (الأسود) ينتمي إلى ما يعرف عند العرب بالإلغاز البديعي ليس غير... مما يجعلها لا تخرج عن مفهوم الترسل، ومن ثم ليست بعيدة الإيحاء التصويري .