فهرس الكتاب
فهذا المقطع جزء من مقدمة الرسالة الجوابية (القسم الثاني) ، وفيه استعمل الدعاء على وجه أكثر وضوحًا من غيره... وهي مقدمة مغايرة لكل ما ألفناه من مقدمات الرسائل عند العرب؛ وكذلك لم تعرف الأمم الأخرى لها نظيرًا... مقدمة بنيت على شخصية ابن القارح ورسالته؛ فهو يعرض لأماكن بعينها كان يقتنص ابن القارح فيها لذاته كما يبرر من عرضه لقصّة امرئ القيس... وكأنه يحدثنا عن حال صاحبه ابن القارح... مما يؤكد أن شخصية ابن القارح هي الشخصية المفتاح للأدب الخيالي الجمالي والعجائبي البديع، وهي الشخصية الرئيسية بما حملته من أحداث وحكايات ورؤى فكرية وفنية، ورموز مكثفة معبرة عن السر الأبدي للقلق الإنساني من المصير... إنها مشبعة برؤى المعري المشتملة على حكمة عالية لتبصير الإنسانية بالحياة والآخرة... فهي حاملة لأفكاره وثقافته ومشاعره، ومخاوفه وأحلامه؛ ما كان منها مكبوتًا في نفسه، أو ما يتقوّله الناس عليه... ولا سيما أنه يتهيأ لاستقبال عالم الآخرة البعيد كل البعد عن عالم الدنيا... ولا علم له به إلا ما ثقِفَه من معتقدات الدين الحنيف، وحازته ذاكرته من معارف وتجارب وهو يودّع عقده السادس من العمر، ويشرف على السابع... فمكابدته للحياة والمجتمع، والناس، وبخاصة بعض القرّاء والفقهاء والمتصوفة واللغويين... جعلته حزينًا منكفئًا على ذاته التي ارتهنها في بيته جسدًا لا فكرًا... هذا الانكفاء الذي حرَّض عقله في مثل هذه السن على تأمل المصير الإنساني هو الذي كوّن عالمه الخاص الذي ظهر بقوة في رسالته... لهذا جاء عالمه مشتتًا مليئًا بالتناقضات الفكرية والعاطفية، مما أدى بعالم الآخرة إلى الاتصاف بالتباعد والتنافر.