فهرس الكتاب
وقبل أن نشير إلى ما يدل عليه هذا النص من فكرة الإرجاء؛ نؤكد مرة أخرى أن شخصية ابن القارح بما فيها من شهوات ونزوات وخبث ونفاق كانت مفتاح بناء الغفران فاختلفت ـ كما قلنا قبل قليل ـ عن الشخصية المفتاح في (رسالة التوابع والزوابع) تناولًا وطبيعة وبناء فنيًا كاختلاف الشخصيّات الأخرى. وعلى الرغم من صفات تلك الشخصية، وبما فيها من عبث ولهو وتعهر فقد أدخلها المعري جنة الغفران بمشيئة الله ورحمته، وكذا فعل مع بعض متعهري الشعراء. وبها عقد لها الرحلة من الأزل إلى الأبد لقوله:"فقد غُرس لمولاي الشيخ الجليل ـ إن شاء الله ـ بذلك الثناء شجر في الجنة لذيذُ اجتناء..." ( [4] ) .
فأبو العلاء اعتمد على فكرة الإرجاء في إدخال ابن القارح الجنة؛ وعقده برحمة الله ومشيئته؛ لا بعمل العبد؛ بينما أدخل الملحدين والزنادقة جميعًا في نار جهنّم؛ يصطلون فيها؛ فأذاقهم حَرَّ سعيرها، وسلط عليهم زبانيتها... ولما ناقض بهذا العمل فكرة الإرجاء فإنما عقده أيضًا بمشيئة الله، كما فعل مع بشار بن بُرْد، حين قال فيه:"والله العالم بحقيقة الأمر ـ ولا أحكم عليه ـ بأنه من أهل النار، وإنما ذكرت ما ذكرت؛ لأني عقدته بمشيئة الله" ( [5] ) .
وبهذا فإن المعري قد تنازعته أفكار شتى في رسالته التي اشتملت على معتقدات دينية وفلسفات عديدة وثقافات متنوعة... وعرض لفكرة الجبر في مواضع شتى كما ذكرناه وكما نراه في قوله:"والتوفيق يجيء من الله سبحانه وتعالى بإجبار؛ وفيما خوطب به النبي (e) : )ووجدك ضالًا فَهدى ((الضّحى 93/7) "وكذلك شن حملة على مَنْ يدعي معرفة الغيب؛ كقوله:"وما آمَنُ أن تكون الآخرة بأرزاق.. على أن السر مُغَيَّب، وكلنا في الملتمس مُخَيَّب، والجاهل ـ وفوق الجاهل ـ من ادّعى بغِبّ المناهل، واللعنة على الكاذبين". ( [6] )