فهرس الكتاب

الصفحة 19532 من 23694

ولعل موقف المعري من الملحدين والزنادقة يبرئه من تهمة الزندقة التي أُلصقت به؛ علمًا أنه لم يدخل أحدًا من أحبته في رحلة الغفران إلى الآخرة، مما يؤكد لنا موضوعيته. ولعله شغل عنهم بهمومه وهواجسه وأمانيه وآرائه المتعددة؛ وهي ؟؟؟ بالحدة والتطرف في بعض الأحكام والتصرفات... ولهذا سعى إلى كسر القيود التي شلت حركته نصف قرن من الزمان... ولا سيما حين جعل العميان مبصرين يرون كل شيء في عالم الآخرة كبشار والأَعْشين... وحين فك عزلته وطاف مع ابن القارح في الجنة والنار، وسافر معه في الأزمنة والأمكنة فعوض فيها عن كل ما فقده في حياته... ثم إنه لم يكتف بتحطيم المتعارف عليه من الثقافات والفلسفات والمذاهب في رسالته وإنما حطم كل نظام تأليفي عرفه العرب... ليلائم الضروب الفكرية؛ والنفسية والاجتماعية التي رغب فيها... فقد حطم فكرة القهر الاجتماعي، وفكرة الحبس الطوعي؛ وفكرة الرقيب الديني والخلقي والذاتي... وبنى أفكارًا جديدة تحقق له كل ما يصبو إليه بوساطة عالمه التأليفي الخيالي الحر... فجنة الغفران مملوءة بالحركة والصوت... والغناء والرقص... وفيها كل ألوان المتع والشهوات المادية التي حرم منها في الدنيا... وجعل سبيله إلى إشباع رغباته في جنيته شخصيةَ ابن القارح؛ هذه الشخصية التي اتصفت حياتها بالشهوانية المغرقة في صبواتها؛ وكذلك هي الجنة ترتشف الرضاب من الحوريات. ( [7] )

إنه يرسم صورة الجنة ـ على ما فيها من الاقتداء بالتصور الإسلامي ـ كأنها صورة منتزعة من حياته وحياة ابن القارح؛ فيها الصدّ والإقبال، والصد والزيارة؛ والرضا والغضب، والعقوق والبر؛... هي عالم لا متناهٍ من الخيبة والرجاء، والهواجس والهموم... وفكره فيها مبتلىً بالنسيان والغفلة بعكس ما عرف عنه في دنياه... وخمرها لذيذة تريح شاربها من دون غَول كما يصفها بقوله:"تلك هي الراح الدائمة؛ لا الذميمة ولا الذائمة، بل هي كما قال علقمة:"

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت