فهرس الكتاب

الصفحة 19534 من 23694

ولو توقف أحدنا متأملًا النص السابق ومستشعرًا إيماءاته النفسية لقبض بيده على الحسرة الحارقة في كلمة (واهًا) ، ومن قبلُ في التصوير الخيالي البديع لأنهار العسل؛ وغُدُوّ النحل إلى الأزهار ورواحها، لإنتاج عسل عجيب في طعمه ومذاقه؛ وقد توارى في بيوته الشمعية... فمهمة التخيل لبَّت عنده ما حرم منه في دنياه من شرب العسل والخمر؛ ولما شرب الخمرة في الآخرة كانت صفتها متماثلة مع ما عرف عنها وعن العسل في المفهوم الإسلامي... ولعل ذلك هو المعروف في مفهوم علم النفس الحديث بفلسفة التعويض عن الحرمان... فهو يتخيل، ويرسم لوحات تعبر عن رغباته، وأحلامه وهمومه... لوحات خيالية للجنة التي تحقق له النعيم والمتع بعد أن آل شيخًا هرمًا ضَعيف الجسم. ولكن ضَعف جسمه ونُحوله لم يفتّ في إرادته، ولم يوهن عقله... وقد ظهرت براعة عقله، وقوته في الذّخيرة اللغوية والنقدية والأدبية والفنية في رسالة الغفران... ودلت ـ أيضًا ـ على دراية عالية بفقه القراءات، ودقة متناهية في تحليل كثير من الآراء الفلسفية والدينية والفكرية... فهو ـ مثلًا ـ يتخيل الشخصية المفتاح والرئيسية في قصة الغفران تنتقل من عالم الأزل إلى عالم الأبد وفق مبدأ التداعي الفني؛ وبخط زمني مستقيم؛ ومن ثم يلجأ إلى الدوران الزمني والمكاني في روضات الحيَّات من جنة الغفران... وفيها التقت بحيَّة كانت قد سكنت في الحياة الدنيا بدار الحسن البصري فسألتها:"فكيف سمعْتِه يقرأ؟!: )فالقُ الإصباح ((الأنعام 6/96) فإنه يروى عنه بفتح الهمزة؛ كأنه جمع صُبْح... فتقول: لقد سمعته يقرأ هذه القراءة، وكنت عليها برهة من الدهر؛ فلما توفي ـ رحمه الله ـ انتقلت إلى جدار في دار أبي عمرو بن العلاء؛ فسمعتُه يقرأ؛ فرغبتُ عن حروف من قراءة الحسن" ( [10] ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت