فهرس الكتاب

الصفحة 19537 من 23694

وبهذا كله حقق المعري لقصة الغفران صفة المرونة في البناء الفني التخييلي العجائبي؛ على صعيد العناصر القصصية كلها. فالأحداث والشخصيات متخيلة، وكذلك الزمان والمكان متخيلان... في الوقت الذي حقق لنفسه الحرية والقدرة على الانتقال من زمن إلى آخر... فالمعري عرف الزمن التعاقبي التتابعي والخطي الذي عرفته الأديان السماوية، ومزج بينه وبين الزمن النفسي، ثم حطمه بالزمن الدائري في بعض الحكايات المتخيلة... وتجسد ذلك حين انتقل بابن القارح من الأزل إلى الأبد؛ ومن ثم عرض للأحداث التي نسجها على لسانه عرضًا منطقيًا تبعًا لما عرف من مفهوم الزمن التعاقبي عند أرسطو أيضًا. وهذا ما نجده ـ مثلًا ـ في حكايته المتخيلة مع زهير بن أبي سلمى وعبيد بن الأبرص وعدي بن زيد؛ ومنها قوله:"وينظر الشيخ في رياض الجنة فيرى قصرين منيفين؛ فيقول في نفسه: لأبلغن هذين القصرين فأسأل لمن هما؟ فإذا قرب إليهما رأى على أحدهما مكتوبًا: هذا القصر لزهير بن أبي سلمى المُزَني، وعلى الآخر: هذا القصر لعبيد بن الأبرص؛ فيعجب من ذلك، ويقول: هذان ماتا في الجاهلية؛ ولكن رحمة ربنا وسعت كل شيء؛ وسوف ألتمس لقاء هذين الرجلين فأسألهما بمَ غُفر لهما؟! فيبتدئ بزهير؛ فيجده شابًا كالزهرة الجَنِيَّة، قد وُهب له قَصْر من وَنِيَّة؛ كأنه ما لبس جلباب هَرِم، ولا تأفف من البَرم... فيقول: أأنت أبو كعب وبُجَيْر؟ فيقول: نعم. فيقول ـ أدام الله عِزَّه ـ: بم غُفر لك؛ وقد كنت في زمان الفترة؛ والناس هَمَلٌ، ولا يحسن منهم العمل؟! فيقول: كانت نفسي من الباطل نفورًا، فَصادفت ملكًا غفورًا، وكنت مؤمنًا بالله العظيم" ( [14] ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت