فهرس الكتاب

الصفحة 19539 من 23694

ولا يسعنا ـ هنا ـ إلا أن نقول: إن المحدثين يرون أن مبدأ التداعي الفني ـ وهو الاسترجاع إلى الوراء من نهاية القصة، أو وسطها... أو أي جزء آخر فيها ـ إنما هو مبدأ فني روائي حديث يسترجع فيه القاص أحداث ماضي الشخصيات أو الأحداث... ولكن رأيهم غير دقيق؛ فقد أظهر المعري بكل جلاء ووضوح في الحكاية السابقة وفي أمثالها من قصص الغفران عناية فائقة بهذا المبدأ... وإن لم يسمّه أبو العلاء باسم (التداعي) أو (الاسترجاع) ومثله يقال في مصطلحات الزمن (التعاقبي) و (الخطي) و (الدائري) و (النفسي) ... فأي باحث حصيف يتأمل قصة الغفران يقع على تقنيات ذلك كله؛ تطبيقًا لا تنظيرًا؛ في صميم قانون الإخبار أو قانون التصوير الموحي، وفي إطار الزمان الذهني المتخيل الذي حقق له حرية كاملة في استخدام آليات الفن القصصي الحديث. فالزمن الذهني المفترض والمتخيل أتاح للمعري أن يقفز فوق الحقب الزمانية، والبيئات المكانية؛ ويحشد في صميمه عددًا غير قليل من الشخصيات التي تتحاور فيما بينها، وتصف كل ما يرغب فيه المعري... لهذا بث على لسانها كمًّا هائلًا من الرغبات والمشاعر والمعارف، ( [15] ) ورسم لوحات خيالية مثيرة لأهل الجنة والنار من الناس والجن والشياطين، وألقى على لسانهم الأشعار التي ألهموها الشعراء ( [16] ) ؛ وكشف ملامح عدد من المذاهب الفكرية والدينية ـ كما ذكرنا من قبل ـ وكما نجده في وصفه لذلك الحيوان المفترس الذي لقيه في (الأعراف) فوشى وصفه له وحديثه معه بمسألة الجَبْر والقَدَر. ( [17] )

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت