فهرس الكتاب

الصفحة 19540 من 23694

ومن استجلى كل ما مضى رأى أن قانون الإخبار تحكم بأبي العلاء مثل قانون التصوير؛ وهو يبني رسالته بناء فنيًا محكمًا وفق تصور ذهني تخيلي مسبق ودقيق ومدرك لعناصر القص المعروفة اليوم... فهذا البناء الفني التخيلي أو التخييلي جاء ملبيًا لأغراض المعري وأفكاره ومشاعره وثقافته؛ ولا سيما أنه حاول إبراز قدرته؛ فزج الكثير من الأخبار وغريب اللغة في رسالته حتى اتهم بالتعقيد. ( [18] ) وكذلك جاء ملبيًا ومنسجمًا مع طرائق السرد التي أشرنا إليها من قبل سواء كان السرد خارجيًا أم داخليًا. ومن ينظر إليها بموضوعية يجد أن أبا العلاء لم يُنَظّر للبحث السردي ولكنه استنّه عمليًا في صميم قانون الإخبار القائم على التصور الذهني التخيلي الافتراضي. فالسارد الداخلي ظهر بلا شك في شخصية ابن القارح مما جعل ضمير المتكلم أو الغائب يظهر بكثرة على لسانه؛ أما السارد الخارجي الذي يمثل أبا العلاء فقد ظهر في قانون التصوير ـ غالبًا ـ لأنه يتولى عملية الشرح والوصف... بينما لم يظهر بصفته ساردًا داخليًا إلا في مطلع أقسام رسالة الغفران. ولهذا مزج بين شخصية السارد المتخيل ـ الخارجي في قصص الغفران وبين شخصية المرسل على الحقيقة؛ وظهرتا بعد ضَمير المتكلم ( [19] ) . ولا شيء أدل على ذلك مما جاء في أول الرسالة الجوابية، إذ بدأ بضمير المتكلم فقال:"فهمتُ قوله ـ جعلني الله فداءه". ثم أضاف إليه ضمير الغائب فقال:"وهذه غريزة خُصَّ بها الشيخ دون غيره.. لو قالت شيرين: جعلني الله فداءك... لخالَبْته في ذلك ونافقته..." ( [20] ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت