فهرس الكتاب
وكذلك يمكن أن نمثل للحوار الداخلي والخارجي المتخيل بمثال واحد لكل من الشخصيات العجائبية؛ والإنسانية... ولعل من أبرز أنماط الحوار الإنساني المتخيل ما ورد في قصة توسل ابن القارح بالعِتْرة المطهرة حيث يقول:"فطفت في العِتْرة المُنْتَجبين؛ فقلت: إني كنت في الدار الذاهبة؛ إذا كتبت كتابًا وفرغت منه قلْتُ في آخره: وصلى الله على سيدنا محمد خاتم النبيين؛ وعلى عِتْرته الأخيار الطيبين. وهذه حُرْمة لي ووسيلة. فقالوا: ما نصنع بك؟! فقلت: إن مولاتنا (فاطمة) ـ عليها السلام ـ قد دخلت الجنة مذ دَهْرٍ، وإنها تخرج في كل حين مقدارُه أربع وعشرون ساعة من الدنيا الفانية، فتسلم على أبيها، وهو قائم لشهادة القضاء، ثم تعود إلى مستقرها من الجنان..." ( [21] )
فإذا ترك المرء دلالة التوسل بالعِتْرة النبوية؛ وإيحاءاتها البعيدة فإنه لا يستطيع إهمال الإشارات الدقيقة المعبرة عن البناء الخيالي الأدبي المفترض في الذهن للفكرة والشخصيات والزمن، والحوار... والمكان... وهذا عينه ما يتمثل لنا في الحوار العجائبي المتخيل بين ابن القارح وإحدى الأفاعي في رياض الحيَّات، فضلًا عن مفهوم السرد الداخلي الذاتي أو ما يعرف بالمنولوج، ومنه:"وَيَهْكُر ـ أَزلفه الله مع الأبرار المتقين ـ لما سمع من تلك الحية، فتقول هي: ألا تقيم عندنا بُرْهة من الدهر؟ فإني إذا شئتُ انتفضتُ من إهابي فصِرت مثل أحسن غواني الجنة، لو ترشفتَ رضابي لعلمت أنه أفضل من الدِّرْياقة... فيُذْعر منها ـ جعل الله أمنه متصلًا ـ... ويذهب مهرولًا في الجنة؛ ويقول في نفسه: كيف يُرْكن إلى حيَّة شرفها السُّمُّ، ولها بالفتكة هَمٌّ؟ فتناديه: هلمَّ، إن شئت اللذة." ( [22] )