فهرس الكتاب

الصفحة 19542 من 23694

ويطالعنا مثل هذا الحوار المتخيل وفق مبدأ التداعي أو الاسترجاع الممزوج بفن الاستطراد لينقل لنا الثقافة العظيمة التي يتصف بها المعري كما نجده في جنة الأعراف التي دخلها الحطيئة بأبيات الهجاء التي هجا بها نفسه، لأنه كان صادقًا فيها، كما دخلتها الخنساء على أخيها صَخْر، وقد أُضْرمت النار في رأسه؛ وهو يقول لها:"لقد صحَّ مزعمك فيَّ"أي قولها: ( [23] )

وإنَّ صَخْرًا لتأتمُّ الهداةُ به

ولما مارس المعري تقنيات القص بكل عناصرها الفنية... كان يميل إلى قانون دون آخر مما ذكرناه؛ فقانون التصوير التخيلي لا يماثل قانون الإخبار.. ففي التصوير الخيالي الموحي يعمد إلى إغفال التفصيلات غير المرغوب فيها؛ أو يهمل ذكر العديد من الأسماء التي لا تلبي فكرته وغايته؛ بينما يكون حريصًا أحيانًا على ذكر الاسم فقط ولو لم يعرض لفكرة ما عنه... كما نراه في مطلع القسم الأول من رسالة الغفران حين انتقل من (الأَسْود) إلى الشعراء السود... وربما يحشد عددًا غَيْر قليل منها إذا رأى أنها متساوقة مع السياق والفكرة... وقد يعزف عن الحوار لحساب التصوير أو الوصف السردي كما نراه في قوله حين تحدث عن بشار بن بُرْد، وتفضيله لإبليس على آدم، فلما أقره إبليس على تفضيله قال:"لقد قال الحق، ولم يزل قائله من الممقوتين"ثم صور حالة ابن القارح في حواره مع إبليس في النار فقال:"فلا يسكُتُ من كلامه؛ إلا ورجُل في أصناف العذاب يُغَمّض عينيه حتى لا ينظر إلى ما نزل به من النِّقَم، فيفتحهما الزَّبَانية بكلاليب من نار؛ وإذا هو بشار بن برد قد أعطي عينين بعد الكَمَه؛ لينظر إلى ما نزل به من النكال". ( [24] ) ... على إِثرنا أَذيال مِرْطٍ مُرَحَّلِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت