فالإسهاب في التصوير يوفر للمعري القدرة على رسم فن التخيّل أو التخييل وفق الشكل الذي يرغب فيه؛ دون أن تحجزه حواجز الفن القصصي، أو حواجز العرض المسرحي المشهدي؛ في الوقت الذي يستطيع أن يحشد فيه مخزونه الثقافي الأدبي، ثم اللغوي... والفني، وأن يقدم فيه آراءه الفكرية والفلسفية. وهذا كله نتمثله في لقاء بطل الغفران للشاعر الجاهلي عدي بن زيد، فبعد حوار شائق بينهما حول أبيات لعدي يخاطب فيها صاحبه... يقول:"ويحك!! أما علمتَ أن الجنة لا يُرْهب لديها السَّقم؛ ولا تنزل بساحتها النِّقَم؟!. فيركبان سابحين على خيل الجنة؛ مَرْكُب كل واحد منهما لو عُدل بممالك العاجلة الكائنة من أولها إلى آخرها لرجح بها، وزاد في القيمة عليها. فإذا نظر إلى صُِوارٍ ترتع في دَقاريّ الفردوس ـ والدقاري: الرياض ـ صوَّب مولاي الشيخُ المِطْردَ ـ وهو الرُّمْح القصير ـ لأَخنسَ ذَيَّال، قد رتع هناك طويل أيام وليالٍ؛ فإذا لم يبق بين السِّنان وبينه إلا قيد ظُفْرٍ قال: أَمْسِك ـ رحمك الله ـ فإني لست من وحش الجنة التي أنشأها الله ـ سبحانه ـ ولم تكن في الدار الزائلة؛ ولكني كنت في محلّة الغُرور أَرود في بعض القفار، فمَرَّ بي ركب مؤمنون قد كرَى زادهم، فصرعوني واستعانوا بي على السفر، فعوّضني الله ـ جَلَّت كلمته ـ بأن أسكنني في الخلود. فيكفُّ عنه مولاي الشيخ الجليل". ( [25] )