ولذلك كله نشدد مرة أخرى على أن المعري كانت تتملكه شهوة التهكم من ابن القارح فيما ادَّعاه من معارف وعلوم وآداب وأخبار وأشعار... وشهوة تحدي المبصرين في الإتيان بما لا يستطيعون عليه. فهذه الحكايات الخرافية العجائبية المبنية في إطار الفن القصصي، أو فن المشهد المسرحي؛ قصر المشهد أم طال؛ إنما يعبر عن ذلك كله، ويدل على أنه نسج علائي خالص لا صلة له بما عرفته الأمم الأخرى من حكايات خرافية كالهند والفرس، أو اليونان.. ولا ضَيْر علينا أن نتوقف عند مثال آخر، وإن امتدت الأمثلة على طول قصة الغفران، وهو مشهد تصوير أنهار الجنة؛ حيث يقول:"فأما الأَنهار الخَمْرية، فتلعب فيها أسماك هي على صور السمك؛ بَحْرية ونَهْرية؛ وما يسكن منه في العيون النَّبْعيَّة؛ ويظفر بضروب النبت المَرْعيَّة، إلا أنه من الذهب والفضة، وصنوف الجوهر؛ المقابَلةِ بالنُّوْر الباهر. فإذا مدَّ المؤمن يده إلى واحدة من ذلك السمك شرب من فيها عَذْبًا لو وقعت الجُرعة منه في البحر الذي لا يستطيع ماءَه الشارب لحَلَّت منه أَسافلُ وغوارب، ولصار الصَّمَر كأَنه رائحة خزامى سَهْلٍ طلَّتْهُ الداجنةُ بدَهْلٍ ـ والدهل: الطائفة من الليل ـ أو نشر مُدَامٍ خَوَّارة سيَّارة في القُلَل سَوَّارة". ( [27] )