فقانون التصوير جسَّد هذا الوصف البصري التخييلي بعين العقل والقلب معًا؛ لذلك وجدنا الأَفعال القلبية تزاحم الأفعال البصرية في فن أدب الخيال لديه. وهي أفعال تدل على ما كان عليه المعري من حرمان لنعمة البصر، مما جعله يعوض نفسه عن ذلك فيَرُدّ البصر إلى بشار بن بُرْد (الأعمى) ، وإلى الأعشين (ضعاف البصر) ليشاهدوا الأحداث بهذه الحاسة العظيمة في رحلته إلى عالم الآخرة. ( [28] ) وبهذا كله استطاع ـ وبقدرة فنية عالية ـ إيهام المتلقي بأن قصصه ومشاهده إنما تمثل الزمن الطبيعي الواقعي الحقيقي للجنة والنار؛ وتجسد المكان المألوف والمعروف للناس... بينما هي في الواقع الفني مبنية على أساس التخيل والتخييل العجائبي الذي لا يستطيع أحد غيره أن يتصوّره... فالشكل الفني المتخيل للغفران المعتمد على قانون السرد الوصفي التصويري قام في ذاكرة المعري وخياله؛ وإن ساقه في إطار التصوير الممكن والواقعي المستمد من البيئة الطبيعية، ومن البيئة الاجتماعية والثقافية للناس في زمنه أو في الأزمنة السابقة له.. فاكتسب ـ بكل جدارة ـ صفة الفن الأدبي التخيلي المبدع. وهذا كله ينفي عنه ما قاله بطرس البستاني في وصف (رسالة الغفران) بأنها ليست"غنية بالأوصاف والصور والألوان" ( [29] ) .