ويحق للباحث أن يستطيل بهذا الجانب من البحث لأنه أساس أدب الخيال في رسالة الغفران؛ وباعتبار أن التخييل صار نمطًا فنيًا وفكريًا في الإيحاء الرمزي القائم على الإيهام؛ مما يجعل المعري متميزًا به. فقد عني بكل ما من شأنه أن يجعل فن التصوير كاملًا عنده؛ ودقيق التوزيع والتناسق في اللوحة المشهدية للقصة. فالأحجام والأبعاد والألوان والحركات متناهية الدقة في تناسقها الموزع على اللوحة الفنية، من جهة، وعلى الحواس من جهة أخرى. فالخطوط اللونية ـ مثلًا ـ دلت على مهارة فائقة لديه في انسجامها وتناغمها مع العناصر الفنية الأخرى؛ وإن قيل: إنه لم يكن يدرك من الألوان إلا الأحمر... فعناصر أي قصة أو مشهد تتشكل من ألوان عدة تناسب مقام التصوير الجميل والموحي، ثم يتحرك المشهد في وسط مكاني واجتماعي وثقافي متكامل النسق والتنسيق. وإذا كانت الأمثلة السابقة تعبر عن ذلك كله فإنه يمكننا أن نقدم مشهدًا حيًّا آخر يصور لقاء ابن القارح لصبية جميلة عجائبية في الجنة؛ وهو مشهد فني راقٍ يتجاوز بإتقانه أي مشهد مسرحي نراه في عالمنا؛ وفيه يقول عن ابن القارح:"فإذا ضرب في غيطان الجنة لقيته الجارية التي خرجت من تلك الثمرة؛ فتقول: إني لأنتظرك منذ حِيْن؛ فما الذي شَجَنك عن المزار؟ ما طالت الإقامةُ معك؛ فأُمِلَّ بالمحاورة مَسْمعك. قد كان يَحقُّ لي أن أُوثَر لديك على حَسَب ما تنفرد به العروس؛ يخصها الرجل بشيء دون الأزواج. فيقول: كانت في نفسي مآرب من مخاطبة أهل النار؛ فلمّا قضيت من ذلك وَطَرًا عُدْتُ إليك؛ فاتبعيني بين كُثُب العَنْبر وأَنْقاءِ المسك. فيتخلل بها أَهاضيب الفردوس؛ ورمال الجنان، فتقول: أيها العبد المرحوم؛ أظنك تحتذي بي فِعال الكِنْديّ في قوله:"
فقمتُ بها أَمشي، تجرُّ وراءَنا
فلمّا أَجزْنا ساحة الحيّ، وانتحى ... بنا بَطْنُ خَبْتٍ ذي قِفافِ عَقَنْقلِ