فهرس الكتاب

الصفحة 19572 من 23694

وميزة أخرى تميز بها سيبويه، وهي أنه بنى تفسيره لكثير من الظواهر الخاصة بالتبليغ على المعرفة بقوانين خاصة بالخطاب استقاها من استقرائه الدائم واهتمامه المستمر بكلام العرب وذلك في قوله (17) :".... إذا قلت عبد الله منطلق تبتدئ بالأعرف ثم تذكر الخبر، وذلك قولك: كان زيد حليمًا، وكان حليمًا زيد، لا عليك أقدمت أو أخرت، إلا أنه على ما وصفتُ لك في قولك ضرب زيدًا عبد الله. فإذا قلتَ: كان زيد فقد ابتدأت بما هو معروف عنده مثله عندك، فإنما ينتظر الخبر، فإذا قلت كان حليمًا فإنما ينتظر أن تعرفه صاحب الصفة، فهو مبدوء به في الفعل، وإنْ كان مؤخرًا في اللفظ. فإن قلت: كان حليم أو رجل، فقد بدأت بنكرة، ولا يستقيم أن تخبر المخاطَب عن المنكور، وليس هذا بالذي ينزل به المخاطب منزلتك في المعرفة" (18) .

إن هذه اللطائف التي أوردها سيبويه، تبين لنا معرفته العميقة بخصائص الكلام عند العرب في مختلف أحواله ومقاماته؛ فمن ذلك الابتداء بما هو معروف، وبناء عليه يأتي ذكر الخبر وإعلام المخاطب، مثل ما يعلم به المتكلم، وعدم استقامة إخبار المخاطب عن المنكور، لأن ذلك لا ينزله منزلة المتكلم في المعرفة، وبالتالي لا تتم الفائدة ويستحيل التبليغ.

وتُظهر لنا القراءة المتأنية للكتاب، أن آراء سيبويه في هذه المسائل تستند إلى معرفة لسانية عميقة، هو ـ في كثيرها ـ مدين لأستاذه الخليل (ت175هـ) وشيوخه الآخرين حتى إنها تشكلت نظرية لسانية تميز ـ من حيث التحليل والتفسير ـ بين ميدانين لغويين هما: اللفظ الدال ومدلولاته، وبين الخطاب الذي هو كيفية استعمال هذا اللفظ، وبين مدلولاته في الإفادة (19) .

ـ 2 ـ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت