فهرس الكتاب
وأما الجاحظ (ت 255هـ) فبدأ من مقدمة كتابه:"البيان والتبيين"متحدثًا عن اللسان وأهميته في الإبانة والإفصاح والتبليغ، مؤكدًا ـ في ذلك ـ الرغبة والحاجة إليه، وذلك في سياق حديثه عن موسى عليه السلام، حين بعثه الله تعالى إلى فرعون بتبليغ رسالته والإبانة عن حجته والإفصاح عن أدلته فقال عن العقدة التي كانت في لسانه: (واحْلُلْ عُقْدَةً من لِسَانِي يَفْقَهُوا قولي (( 20) ، واستنجد بأخيه هارون لأنه كان أفصح منه، مما يبين لنا أهمية الإفصاح عن الغرض وتبليغه إلى الآخرين، فيحصل التفاهم بينهم، وهو تأكيد على ضرورة حضور العنصر اللغوي في تعايش الناس وتعاملهم مع بعضهم، فـ"لم يخلق الله تعالى أحدًا يستطيع بلوغ حاجته بنفسه." (21) .
من هنا يظهر لنا البعد الاجتماعي للكلام، فالإنسان دون خطاب يبقى حبيس ذاته منعزلًا عن الجماعة، فوظيفة اللغة هي الربط بين أفراد المجتمع، وذلك بالتعبير عن حاجاتهم وأغراضهم المختلفة، وقد ألح الجاحظ على التلازم الموجود بين الحاجة الطارئة إلى اللغة وسرعة تحصيل مواضعاتها؛ بحيث كلما زادت الحاجة إلى اللسان قلصت النفس مسافات الزمن في الاستعداد لقبوله؛ فهناك ارتباط بين اللسان والإنسان، ووجود الإنسان ملازم لتولد حاجاته، ولا يمكن قضاؤها خارج حدود اللسان، فـ"الحاجة إلى اللسان حاجة دائمة وَاكِدة وَرَاهِنة ثابتة" (22) . وهذا يعني أن الحدث الكلامي متلازم في نشأته وممارسته مع مقتضيات الواقع وما تمليه الضرورة، وأن اللغة حدث اجتماعي بالدرجة الأولى.