فهرس الكتاب
ويعمق الجاحظ قضية التبليغ بين المتخاطبين تعميقًا هو به رائد في قوله:"والمفهم لك والمتفهم عنك شريكان في الفضل، إلا أن المفهم أفضل من المتفهم، وكذلك المعلم والمتعلم" (23) . فالهدف الذي يرمي إليه المتخاطبان"إنما هو الفهم والإفهام، فبأي شيء بلغت الإفهام وأوضحت عن المعنى، فذلك هو البيان في ذلك الموضع" (24) . يركز الجاحظ ـ هنا ـ على الهدف من التبليغ وهو الفهم والإفهام، وبأي طريقة تم ذلك، فالمهم أن تحصل الغاية والفائدة من التخاطب، وهذا يتظافر مع ما نقله عن بشر بن المعتمر:"... والمعنى ليس يشرف بأن يكون من معاني الخاصة، وكذلك ليس يتضع بأن يكون من معاني العامة، وإنما مدار الشرف على الصواب وإحراز المنفعة مع موافقة الحال وما يجب لكل مقام من المقال..." (25) .
إن شرف المعنى وقيمته لا تتعلق بصاحبه، من الخاصة هو أم من العامة؛ وإنما تتعلق بصحته وفائدته وما يقدم من منفعة بالنظر إلى ما تقتضيه أحواله؛ فالقضية الأساسية ـ هنا ـ هي الانتفاع بالكلام في الإبانة عن الغرض وتحقيق الحاجة، ولا يتم ذلك إلا بالفهم والإفهام؛ أي التخاطب في المقامات والأحوال المناسبة لذلك.
يزيد الجاحظ القضية توضيحًا فينقل نصًا آخر لبشر هو:"...ينبغي للمتكلم أن يعرف أقدار المعاني ويوازي بينها وبين أقدار المستمعين، وبين أقدار الحالات، فيجعل لكل طبقة من ذلك كلامًا، ولكل حالة من ذلك مقامًا حتى يقسم أقدار المقامات وأقدار المستمعين على أقدار تلك الحالات..." (26) .
المتأمل لهذا النص يجده يشمل عناصر العملية التبليغية بين المتكلم والمخاطب وما يترتب على ذلك من تأثير في الخطابات التي يحدثانها، فينبغي للمتكلم:
1 ـ"أن يعرف أقدار المعاني ويوازي بينها وبين أقدار المستمعين، وبين أقدار الحالات"، فعندما يعرف المتكلم قيمة المستمع وقدره ـ لاشك ـ سيعرف ما هي المعاني التي سيبلغه إياها حسبما تقتضي الأحوال.