فهرس الكتاب
2 ـ"فيجعل لكل طبقة من ذلك كلامًا، ولكل حالة من ذلك مقامًا"، فبناء على معرفة المتكلم بمن يكلم، أي بالسامع يقوم باختيار الكلام المناسب في المكان والزمان والمقام المناسب.
3 ـ وبذلك يكون كلامه في مستويات حسب أقدار المعاني وأقدار المقامات وأقدار المستمعين والحالات التي يكونون فيها، فلكل طبقة اجتماعية مستوى من الخطاب يليق بمقامها، على المتكلم أن يعرفه، لكي يختار الكلام الذي يقتضيه مقام التخاطب"وكلام الناس في طبقات كما الناس أنفسهم في طبقات" (27) .
فالكلام مستويات متعددة من حيث استعماله، فما تخاطب به العامة لا تخاطب به الخاصة، وما يقتضيه الخطاب اليومي من خفة وعفوية لا يقتضيه الخطاب المرتل الذي يتميز بالانقباض النفسي والفيزيولوجي (28) ، ثم إن"نشاط القائل على قدر فهم المستمع" (29) ؛ فإذا كان المستمع ذا ملكة جيدة في الفهم والتحليل فإن ذلك يجعل المتكلم في حالة جيدة لتبليغ خطابه في أحسن الظروف وبكيفية فيها من الحيوية والنشاط ما يضمن حسن الحديث ونفع المؤانسة (30) . والعكس صحيح كذلك؛ فـ"من لم ينشط لحديثك فارفع عنه مؤنة الاستماع منك" (31) .
ولم يكتف الجاحظ بالحديث عن التبليغ اللغوي؛ بل نقرأ له آراء بارزة ومهمة جدًا عن التبليغ غير اللغوي مستدلًا على حاجة اللغة إلى وسائل تعبيرية أخرى غير لغوية، فقد قال:"فأما الإشارة فباليد وبالرأس وبالعين والحاجب والمنكب إذا تباعد الشخصان وبالثوب وبالسيف" (32) . ويكاد يتطابق قول الجاحظ هذا مع قوله في كتابه الحيوان:"فأما الإشارة فأقرب المفهوم منها: رفع الحواجب وكسر الأجفان ولَيّ الشفاه وتحريك الأعناق وقبض جلدة الوجه، وأبعدها أن تلوي بثوب على مقطع جبل تراه عين الناظر" (33) .