فهرس الكتاب
إن الإشارة ـ هنا ـ تعادل الحركة الجسمية؛ فإما أن تكون باليد أو بالرأس أو بالعين أو بالحاجب أو بالمنكب، وهذه كلها إشارات معبرة يمكن أن تكون وسائل تبليغ غير لغوية تستعمل في التخاطب بين الناس حسب مقتضى الحال ومستدعيات الضرورة.
فإذا كان المتخاطبان قريبين من بعضهما كانت الإشارة برفع الحواجب وكسر الأجفان وليّ الشفاه وتحريك الأعناق وقبض جلدة الوجه؛ لأنها تفاصيل دقيقة في الوجه لا تمكن رؤيتها من بُعد. وأما إذا كان المتخاطبان بعيدين عن بعضهما فإن نوعية الإشارة تتغير فتصير بالثوب وبالسيف بحسب الحالات والمقامات الاجتماعية.
إن الإقبال بالوجه له دور مهم في فهم القصد وتبليغ المراد والتفاهم بين الناس، ولا يكفيك الاستماع إلى محدثك؛ إنما يجب أن يكون هناك جمع بين الاستماع والمشاهدة للإحاطة بمعرفة ظروف الكلام ومقاماته، والتمكن من مشاهدة الحال التي تصحب الخطاب كما يمارسه صاحبه.
وقد أشار الجاحظ إلى هذا في قوله:"...كان مطرف بن عبد الرحمن، يقول: لا تقبل بحديثك على من لا يقبل عليك بوجهه، وقال عبد الله بن مسعود: حدث الناس ما حدجوك بأسماعهم ولحظوك بأبصارهم، فإذا رأيت منهم فترة فأمسك..." (34) . كما قابل الجاحظ بين الإشارة واللفظ، فأشار إلى أنها"نعم العون هي له، ونعم الترجمان هي عنه، وما أكثر ما تنوب عن اللفظ وتغني عن الخط." (35) .
إن الإنسان وهو يتلفظ بالكلام يحدث إشارات ضرورية في التفاهم، ولا يمكن لأي منّا أن يتكلم ولا يحدث حركات أو إشارات معينة مصاحبة لكلامه كوسيلة من وسائل إيضاحه، كما تنوب الإشارة عن اللفظ أحيانًا، فيستطيع المتكلم الإبانة عن غرضه والتفاهم مع غيره بوساطتها دون الحاجة إلى لغة فـ"مبلغ الإشارة أبعد من مبلغ الصوت." (36) وهي ـ من جهة أخرى ـ تغني عن الخط فلا يتم التبليغ بالكتابة وإنما يتم بها إن اقتضت الحال ذلك.