فهرس الكتاب
إن دور الإشارة يكمن في كونها وسيلة أساسية تمكن المتكلمين من تبليغ أغراضهم والتفاهم فيما بينهم ومعرفة مقاصدهم الدقيقة جدًا وعلاقاتهم الحميمة"ولولا الإشارة لم يتفاهم الناسُ معنى خاص الخاص، ولجهلوا هذا الباب البتة" (37) ، فلولاها ما تمكنوا من مخاطبة بعضهم ولاستغلقت عليهم أمور عديدة واستحال عليهم هذا النوع من التعبير عن أغراضهم الخاصة جدًا بوساطة الإشارة ولا يُستطاع ذلك باللغة في بعض الأحيان.
وما يمكن قوله عن الجاحظ أنه نظر إلى ظاهرة التبليغ نظرة ثاقبة وصائبة جدًا، وحاول الإحاطة بها من جميع جوانبها، وما تطرق إليه في القرن الثالث الهجري، فيه ما فيه مما توصل إليه الدارسون المحدثون، مما يجعله حدثًا فريدًا في تاريخ الثقافة العربية.
ـ 3 ـ
وربط أبو نصر الفارابي (ت 339هـ) ، إشكالية التبليغ بالتعليم فقسمه قسمين:"تعليم يحصل عنه ملكة، وتعليم يحصل عنه علم." (38) .
أما القسم الأول؛ أي التعليم الذي يحصل عنه ملكة"فهو إما تعليم باحتذاء، وإما بمخاطبة، أو ما يقوم مقام المخاطبة من إشارة وكتابة" (39) . فالتعليم بالاحتذاء"هو الذي يلتئم بأن يرى المتعلم المعلم بحال ما في فعل أو غيره، فيتشبه به في ذلك الشيء أو يفعل مثل فعله." (40) .
نستشف من كلام الفارابي تركيزه على رؤية المتعلم للمعلم وأهميتها في تحصيل العلم والمعرفة؛ لأنها تبرز حال المعلم وهو يحدث خطاباته ويمارس العملية التعليمية وما في تلك الحال من حيوية ونشاط أو علامات دالة أخرى؛ فالرؤية تمكن المعلم من مشاهدة الإيماءات والحركات المختلفة التي تصاحب الخطابات التي يحدثها المتعلم على التشبه بها محتذيًا بمعلمه، وهذا عامل على قدر كبير من الأهمية في حياتنا التعليمية؛ فإن كان المعلم يتميز بالحيوية والنشاط والكفاءة العلمية، فإن ذلك يظهر في تبليغه لتلميذه وطلابه وتخاطبه معهم والعكس صحيح.