فهرس الكتاب

الصفحة 19578 من 23694

وأما القسم الثاني من التعليم الذي تحدث عنه الفارابي فهو:"التعليم الذي يحصل عنه علم فقط، وإنما يكون بالمخاطبة وما جرى مجرى المخاطبة" (41) ، ثم يفسر لنا المخاطبة بأنها جملة الأشياء التي تحصل بالفعل في ذهن السامع، وأن وجود هذه الأشياء في ذهنه تكون بإحدى جهتين: إما بالقوة وإما بالفعل، وهذا قد أخذه الفارابي عن أرسطو، ويعني بالقوة: قوة السامع على أن يكتب أو يتكلم أو يتفكر في أشياء متى أراد ذلك، إلا إذا كانت توجد عوائق تمنعه من ذلك أو تجعل الأمور أمامه عسيرة. ويعني بالفعل: ارتسام خيال الشيء في نفس السامع (42) ، وهذا يتطلب من المتكلم والسامع أن يكون بينهما تواطؤ قبل أن يتم تخاطبهما. يقول الفارابي:"ويلزم أن يكون ذلك اللفظ مفهوم المعنى، متواطئًا عليه القائل والسامع جميعًا، قبل هذه المخاطبة." (43) .

يلفت الفارابي ـ بهذا ـ انتباهنا إلى مكون أساسي في عملية التخاطب وهو المواضعة (44) ، بين المتكلم والسامع، فإذا لم تكن مواضعة بينهما، فإن المخاطبة لا تتم هي كذلك، مما يؤكد على ملازمة المواضعة للحدث اللساني بما يضمن الاشتراك والتفاعل بين المتكلم والمخاطب بتساويهما"في مقدار ما عرف من الصناعة وفي كيفية فهمها." (45) . فلا يمكن أن يحصل من الجاهل بالمواضعة اللغوية خطاب يستجيب لنواميسها، ويتشكل بأشكال أبنيتها، ثم يؤكد الفارابي على أن أحوال التخاطب تكون بحسب أحوال الألسنة وأحوال الأمم"ففي لسان كل أمة أحوال تخصه" (46) ، وبهذا الطرح العميق يتضح التصور الشامل لظواهر التبليغ عند الفارابي، إذ لم يقتصر فيها على لسان معين.

ـ 4 ـ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت