فهرس الكتاب

الصفحة 19579 من 23694

وأما ابن جني (ت. 392هـ) ، في القرن الرابع الهجري، فقد انطلق من خلال تحديده للغة بأنها أصول يعبر بها كل قوم عن أغراضهم (47) ، مؤكدًا ـ بذلك ـ مبدأ الحاجة إلى التخاطب والإبانة عن الغرض ومعرفة الأحوال ومصاير الأمور. ونشير إلى أن ابن جني قد استعمل كلمة"لغة"بمعنى"لسان"كوضع تشترك في استعماله الجماعة في مقابل الكلام، وهو ما يحدثه المتكلم من تأدية فردية للسان (48) ، ثم فرق ابن جني بين الكلام والقول معتبرًا الكلام نشاطًا تبليغيًا يحقق الإفادة، فهو"ماكان تامًا غير ناقص ومفهومًا غير مستبهم... فلهذا سموا ما كان من الألفاظ تامًا مفيدًا، كلامًا." (49) .

إن الكلام عند ابن جني"مختص بالجمل التوامّ" (50) ، والجملة الواحدة قد لا تفيد المخاطب ـ وحدها ـ في فهم المعنى، وإنما هي في حاجة إلى وحدات تبليغية أخرى تتعاضد معها وتتعاون في تبليغ المراد كاملًا إلى المخاطب (51) .

إن من يقرأ كتاب"الخصائص" (52) يجد ابن جني قد افتتحه بخمسة فصول خصصها للفصل بين"الكلام والقول"، و"القول على اللغة"، و"القول على النحو"و"القول على الإعراب"و"القول على البناء"، وهذا يظهر لنا ما تميز به ابن جني في تحديد المفاهيم المختلفة التي يتناولها بالدرس والنظر.

وإذا كان الفارابي ـ كما سبقت الإشارة ـ قد أشار إلى المواضعة اللغوية بين المشتركين في الخطاب، فإن ابن جني قد ربط ذلك بالإشارة وما لها من تأثير في تبليغ المعنى وتحقيق المفاهمة بين المتخاطبين في جانب اللغة، فاللغة"لابد لأولها من أن يكون متواضعًا عليه بالمشاهدة والإيماء؛ أي أن المواضعة لابد معها من إيماء وإشارة بالجارحة نحو المومأ إليه والمشار نحوه" (53) . فهناك مستويان مترابطان هما:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت