فهرس الكتاب
مستوى اللغة ومستوى الإشارة، فكلاهما في حاجة إلى الآخر في عملية التبليغ، وكلاهما ظاهرة اجتماعية إن صح التعبير. ولم ينس ابن جني أن يشير إلى ما يتركه المتكلم في نفسية المخاطب من تأثير، فإذا شعر بالحاجة إلى مخاطبة صاحبه في أمر ما، أو أراد أن يصور له قضية من القضايا بدقة وبتفاصيل كثيرة، لجأ إلى استعطافه ومحاولة استمالته والتأثير عليه نفسيًا، ليقبل عليه بوجهه، فإذا فعل ذلك اندفع يحدثه آمرًا أو ناهيًا، أو غير ذلك، ومن هنا يظهر لنا إلحاح ابن جني على أهمية الإقبال بالوجه في التبليغ، وقد رأينا ذلك عند الجاحظ أيضًا.
ثم يقارن ابن جني بين ما تسمعه الأذن من الخطاب وما تبصره العين من الأحوال التي يتعلق بها الخطاب، فيقول:"فلو كان استماع الأذن مغنيًا عن مقابلة العين، مجزئًا عنه لما تكلف القائل ولا كلف صاحبه الإقبال عليه والإصغاء إليه" (54) . نلاحظ أنه قد وازن بين الاستماع والرؤية؛ فالسمع ـ في نظره ـ غير كاف لفهم الكلام إذا لم تصحبه رؤية الملامح والإيماءات والإشارات، فتزيد في إيضاحه وتساعد على فهمه كما ينبغي؛ فابن جني ـ هنا ـ يعتبر بمشاهدة الوجوه ويجعلها دليلًا على مافي النفوس (55) .
إن رؤية الشخص وهو يتكلم مهمة جدًا في العملية التبليغية لكونها تمكننا من مشاهدة حال الخطاب كما هي،"وعلى ذلك قالوا: رب إشارة أبلغ من عبارة... وقال لي بعض مشايخنا رحمه الله أنا لا أحسن أن أكلم إنسانًا في الظلمة..." (56) . ونتأمل ما لعبارة"أنا لا أحسن أن أكلم إنسانًا في الظلمة"من أهمية بالغة في التخاطب؛ فعندما نكون بصدد الكلام مع إنسان لا نراه يكون تخاطبنا معه غير كاف لكوننا لا نرى حاله وما يصحب كلامه من تفاصيل يظهرها الوجه، ومن انفعالات تبديها الملامح (57) .