فهرس الكتاب

الصفحة 19581 من 23694

ونورد نصًا آخر لابن جني ـ على الرغم من طوله ـ وذلك نظرًا لأهميته في هذه المسألة يقول:"فليت شعري، إذا شاهد أبو عمرو، وابن أبي إسحق، ويونس، وعيسى بن عمر، والخليل وسيبويه، وأبو الحسن، وأبو زيد، وخلف الأحمر، والأصمعي، ومن في الطبقة والوقت من علماء البلدين، وجوه العرب فيما تتعاطاه من كلامها وتقصد له من أغراضها ألا تستفيد بتلك المشاهدة وذلك الحضور ما لا تؤديه الحكايات ولا تضبطه الروايات فتضطر إلى قصود العرب وغوامض مافي أنفسهم، حتى لو حلف منهم حالف على غرض دلته عليه إشارة لا عبارة" (58) .

فبتأملنا لهذا النص نجد ابن جني قد أورد جملة من الأعلام المشهورين الذين اشتغلوا بجمع اللغة العربية ودراستها، وتمنى لو شاهدوا وجوه العرب فيما تتعاطاه من كلامها وتقصده من أغراضها، فتلك المشاهدة تؤدي من الفائدة ما لا تؤديه الحكايات الطويلة التي تكون بها زيادة أو نقصان أو يكون بها تضليل للمخاطب.

إن المشاهدة تمكن من رؤية حال الخطاب في لحظة حدوثه بمختلف ظروفه وما به من تفاصيل، وحتى إذا أراد أحد المتحدثين إخفاء غرض من الأغراض عن صاحبه دلته عليه إشارة من الإشارات التي يحدثها وهو يتكلم.

وبهذا فإن الإشارة تجعل من المتكلم والمخاطب"شاهد حال" (59) ، ولا حيلة ولا مغالطة إذا حضر الشاهد شاهد الحسّ وأعظم به من شاهد (60) ، فمن اللغة مع ما يصاحبها من إشارات وملامح تبديها الوجوه يتحقق لنا"محصول الحديث" (61) ، وتجدر الملاحظة ـ مرة أخرى ـ إلى أن ما تناوله ابن جني ـ هنا ـ يمثل قضية منهجية في غاية الدقة والإحكام تستثمرها الدراسات الحديثة في إطار البحوث الميدانية التي تعتمد النزول إلى الميدان ومشاهدة عينة البحث موضوع الدراسة، لأن ذلك يؤدي إلى الفهم الدقيق وضبط النتائج، ولعل فهم النحاة الأولين لكلام العرب كان ربما لا يصح لولا مشاهدتهم المباشرة لأحوال خطاباتهم.

ـ 5 ـ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت