فهرس الكتاب

الصفحة 19582 من 23694

أما ابن فارس (ت 395 هـ) ، فقد بنى الخطاب على الفهم والإفهام؛ فالإفهام وظيفة يقوم بها القائل والفهم وظيفة يقوم بها السامع (62) ، مؤكدًا ما رأيناه عند الجاحظ، بخصوص المسألة نفسها، لكن ابن فارس ربطها بوجهين أحدهما: الإعراب، وثانيهما: التصريف. فبالإعراب تُميز المعاني وتُعرف أغراض المتكلمين انطلاقًا من الحركات الإعرابية فلو قال قائل:"ما أحسن زيد، غير معرب، أو ضرب عمرو زيد غير معرب، لم يوقف على مراد.". (63) .

إن الإعراب إبانة عن المعاني المرادة، ولذلك فهو ضروري لتبليغ المقصود وإفهام الآخرين في إطار نظام لغوي خاص؛ حيث يجوز التقديم والتأخير واستعمال صيغة مقام صيغة أخرى. وكذا الشأن للتصريف"فإن من فاته علمه فاته المعظم" (64) . وبه يتم الإفصاح وتتضح المعاني وتفهم الأغراض"لأنّا نقول: وجد وهي كلمة مبهمة، فإذا صرفنا أفصحت فقُلنا في المال وَجْدًا، وفي الضالة وِجْدانًا، وفي الغضب مَوْجِدةً، وفي الحزن وَجْدًا" (65) ، وهذا بالنسبة للذي يعرف الإعراب والتصريف. فأما من لا يعرفهما فيمكن إفهامه بوجوه يطول ذكرها من إشارة وغير ذلك.

إن أهمية الإعراب لا تعني الذهاب به إلى مسائل عويصة ومعقدة، تكلف ما يُغرب على السامعين ويعايي به الحاضرين (66) . ويؤدي إلى التعسف في التخطئة، فيصير كل من لا يظهر الإعراب في كلامه على خطأ، وقد أدى هذا إلى اعتبار المأنوس من كلام العرب غير فصيح، وحصر العربية في مستوى التحرير فقط، بل حتى مستوى التحرير تكاثرت فيه الأخطاء، وصار اللحن فيه كثيرًا (67) .

إنما العرب تجتاز الإعراب اجتيازًا (68) ، وترفرف عليه ولا نتفيهق فيه (69) وتشامُّه ولا تحققه (70) ، ولهذا لا يمكن الاقتصار على الجانب النحوي والتصريفي فقط، بل لابد من ممارسة الكلام في إطاره الطبيعي الشفاهي والمكتوب، والتخاطب الحقيقي في حالة الاتصال وتبليغ الأغراض وبالامتثال لمقتضى الحال (71) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت