فهرس الكتاب
وأعطى ابن فارس ـ من جهة أخرى ـ أهمية للوظيفة الإعلامية التي يؤديها الكلام وذلك في قوله:"أما أهل اللغة فلا يقولون في الخبر أكثر من أنه إعلام تقول أخبرته أُخبره والخبر هو العلم... وهو إفادة المخاطب" (72) . فوظيفة الخبر إعلامية هدفها إفادة المخاطب بمحتويات الخبر، وهذا قد أشار إليه سيبويه كما رأينا في بداية الموضوع.
ـ 6 ـ
وأثار أبو حيان التوحيدي (ت 414 هـ) ، هو أيضًا حال الخطاب وقراءتها وأهمية العلاقات الرابطة بين المتكلم والمخاطب والخطاب والظروف المختلفة (المرئية والمسموعة) المحيطة بذلك؛ وعليه فالشرح للحال مهم جدًا، لأنه يمكن المتخاطبين من غاية الخطاب، والظفر بالمراد حسب مقتضيات الأعراف والعوائد، نلمس ذلك في قوله:"والشرح للحال أبلغ إلى الغاية وأظفر بالمراد وأجرى على العادة" (73) .
ثم فرق أبو حيان بين أنفس العلماء وأنفس المتعلمين، فنفس العالم عالم بالفعل ومعرفته بأسرار اللغة معرفة علمية خالصة، وهي غير ملكته اللغوية التي اكتسبها مثل بقية الناس في اللغة التي يحكمها، وليست هذه المعرفة من قبيل الأفعال المحكمة التي بها يسلم الكلام من الخطأ واللحن؛ بل هي من قبيل المعرفة النظرية البحتة (74) . وعلى هذا، فإن تبليغه لأغراضه في خطاباته يتأسس على هذه المعرفة فتنعكس عليه وتسمه بسماتها وتساهم في بنائه وتشكيل معانيه.
أما أنفس المتعلمين فعالمةٌ بالقوة؛ لأنها لا تمتلك المعرفة النظرية البحتة للغة، وإنما لها قدرة كامنة تساعدها على اكتساب الأوضاع التبليغية المناسبة من دراية"بعلة إهمال ما أهمل واستعمال ما استعمل" (75) . وإنما هي ملامسة لجوهر اللغة ومواصفاتها بالفطرة وحسن الطبع وقوة النفس ولطف الحس، تجد بالقوة ملا تعرفه بالصنعة (76) .