فهرس الكتاب
تبدو لنا نظرة عبد القاهر في اللفظة من خلال قوله:"وهل تجد أحدًا يقول: هذه اللفظة فصيحة، إلا وهو يعتبر مكانها من النظم، وحسن ملاءمة معناها لمعاني جاراتها، وفضل مؤانستها لأخواتها" (86) . نستشف من قول عبد القاهر، ردًا صريحًا على الذين يهتمون باللفظة ويعدونها مكمن الفصاحة (87) وهي لا تكمن في اللفظة منفردة، وإنما في تشابك علاقاتها ومعانيها مع معاني جاراتها.
إن اللفظة منفردة لها معنى محدود وأفق ضيق، لا يتعدى المعجم، أما إذا كانت مع أخواتها في سياقاتها اللغوية اللازمة وبحسب مواضعها فلها إمكانات متعددة للتعبير عن المعاني، تؤدي إلى فسحة القول واتساع النص، ولذلك ينبغي النظر إلى الكلمة قبل دخولها في التأليف وقبل أن تصير إلى الصورة التي يكون بها الكلم إخبارًا وأمرًا ونهيًا واستخبارًا وتعجبًا (88) ، ليتم ـ بعد ذلك ـ اختيار الكلمة المناسبة بحسب الموضع الذي يقتضيه المقام، فـ"لا يكون لإحدى العبارتين مزية على الأخرى حتى يكون لها في المعنى تأثير"لا يكون لصاحبتها" (89) ."
واللفظة تكون في غاية الفصاحة في موضع، ولكنها لا تكون كذلك في مواضع أخرى تبعًا للأغراض التي يوضع لها الكلام، وعليه فإن الفضل والمزية يكونان بحسب الموضع وبحسب المعنى الذي تريد و الغرض الذي تؤم (90) .
وجملة الحديث أنه لا يمكن أن يتعلق الفكر بمعاني الألفاظ منفردة ومجردة من معاني النحو، ومن ثم فإن"النظم هو توخي معاني النحو في معاني الكلام، وأن توخيها في متون الألفاظ محال" (91) .