فهرس الكتاب
ومما ينبغي أن نعلمه أن عبد القاهر لا يلغي اللفظة تمامًا، ولا يقدم أهميتها في تعلق الفكر بها، وإنما يعني أن لا يكون ذلك فيها مجردة عن معاني النحو ومنطوقًا بها على وجه لا يتأتى معه تقدير معاني النحو (92) . وإنما دلالة اللفظ لها أهميتها في التعبير عن الأغراض، وتبليغ المقاصد بتظافرها مع دلالة الحال ودلالة المعنى، فلا مزية لها في ذاتها إلا بارتباطها معهما، فالخطاب يحتاج في معناه إلى دلالة الحال دائمًا ودلالة المعنى في ظروف خاصة. فدلالة اللفظ: هي التي يقتضيها اللفظ بالوضع ويصل المتكلم منها إلى الغرض باللفظ وحده؛ أي أنها تتعلق بالحقيقة لا بالمجاز.
ودلالة المعنى: هي التي لا تتم باللفظ وحده، ولكن يدلك اللفظ على معناه الذي يقتضيه موضوعه في اللغة، ثم تتولد عن ذلك دلالة ثانية تصل منها إلى الغرض بالكناية والاستعارة والتمثيل، أي أنها تتعلق بالمجاز لا بالحقيقة، والمجاز أبلغ من الحقيقة، وهذه الدلالة هي التي يسميها عبد القاهر"معنى المعنى". ودلالة الحال: هي التي يقتضيها حال الخطاب.
وأوفى العبارات التي تدلنا على هذه الدلالات عند عبد القاهر هي:"وإذ قد عرفت هذه الجملة فههنا عبارة مختصرة وهي أن تقول: المعنى ومعنى المعنى، تعني بالمعنى: المفهوم من ظاهر اللفظ والذي تصل إليه بغير واسطة وبمعنى المعنى: أن تعقل من اللفظ معنى ثم يفضي بك ذلك المعنى إلى معنى آخر" (93) .
وأشار عبد القاهر كذلك إلى المعاني القائمة في النفس ـ أو بتعبير آخر ـ خوالج المتكلم النفسية هي التي توجه خطاباته الوجهة المناسبة، وتتحكم فيها وتكيفها بأن تجعلها مناسبة لما تقتضيه الأحوال والمقامات وتمكن المخاطب من التفطن لخواص تراكيبها ومواضع كلمها وذلك"أن الكلم تترتب في النطق بسبب ترتب معانيها في النفس" (94) .