فهرس الكتاب
نفهم من هذا أن الألفاظ تتبع المعاني في مواقعها، و"إذا وجب لمعنى أن يكون أولًا في النفس وجب للفظ الدال عليه أن يكون مثله أولًا في النُّطق" (95) . وعلى هذا فإن الفائدة من الكلام تحدث من بعد التأليف لا من اللفظة منفردة دون أن ينظر إلى حالها مع غيرها، وإنما من المعاني الحاصلة من مجموع الكلام التي هي أدلة على الأغراض، فإذا كانت المعاني قوية استوجبت استعمال ألفاظ قوية مصداقًا لقول ابن جني:"إن قوة المعنى تتطلب قوة اللفظ" (96) ، وبناء عليه، فإن الأساليب الرصينة تستدعي ـ هي الأخرى ـ ملامسة المعاني العظيمة.
ومحصول الحديث أن عبد القادر قد استطاع أن يسبر أغوار الظاهرة التبليغية باهتمامه الواضح بأحوال الحديث، وتفكيكه لحدث التخاطب إلى مختلف مكوناته، وبناء على هذا يمكننا أن نذهب إلى أن نظرية النظم هي ـ في الحقيقة ـ نظرية في الخطاب، وأن دلائل الإعجاز كتاب في تحليل الخطاب وظواهر التبليغ اللغوي إن صح التعبير، وأن الخطاب نشاط تبليغي يتأسس على النظم في مقابل الوضع والنظام اللغوي في ذاته، تتكشف وراءه أبعاد وتتفتح آفاق وتكمن رؤى وإيحاءات تتعلق بإعجاز القرآن الكريم الذي هو خطاب قوامه المجاز (97) .
ـ 8 ـ
وإذا كان عبد القاهر الجرجاني قد استنبت مفاهيم البلاغة في حقول النحو باعتباره يؤلف مادة خصبة لفهم مشكلة المعنى في تحليل النصوص، فإن أبا يعقوب السكاكي (ت 626هـ) ، قد أقام دراسته انطلاقًا من العلاقة بين المتكلم والمخاطب في مختلف حالاتها وتغيراتها وظروفها، وكذا مقاصد المتكلم ونيّاته من وراء استعمالاته للغة، فحق الخطاب أن يكون مع مخاطب معين (98) ... فهناك حاجة إلى التخاطب بين بني الإنسان وهو بذلك يؤكد ما رأيناه مع الجاحظ وابن جني وغيرهما ممن سبقوه.