فهرس الكتاب

الصفحة 19591 من 23694

ثم إن هذا التخاطب لا يتم إلا بالتعرض لمقتضى الحال (99) ، وهو مجموعة من العوامل التي تحيط بالكلام وتساهم في إيضاحه وتساعد على فهمه وتحليله، فكل كلام يتم إحداثه عن قصد يجد ما يبرره في شخصيتي المتخاطبين للفهم والإفهام، ويشترط مقتضى الحال عنصر الإفادة بالنسبة للسامع من خلال تعريف السكاكي لعلم المعاني بأنه"تتبع خواص تراكيب الكلام في الإفادة وما يتصل بها من الاستحسان وغيره ليحترز بالوقوف عن الخطأ في تطبيق الكلام على ما يقتضي الحال ذكره" (100) ، وذلك بتتبع أحوال العلاقات الإسنادية وبيان كيفية ارتباطها بالإفادة التي تحملها الجملة للمخاطب في السياقات اللغوية المختلفة.

ونشير إلى أن الإفادة تتفاوت وتتباين من حال إلى أخرى حسب ما يقتضيه مقام الخطاب؛ فمقامات التشكر والتهنئة والمدح والترهيب والجد، تباين مقامات الشكاية والتعزية والذم والترغيب والهزل، وكذا الشأن لمقام الكلام ابتداء يتباين مع مقام الكلام بناء على الإنكار، وكل لبيب يعلم ذلك، وأيضًا مقام الخطاب مع الذكي يغاير مقام الخطاب مع الغبي ولكل من ذلك مقتضى غير مقتضى الآخر (101) . وعلى هذا يمكننا تثبيت القول المأثور:"لكل مقام مقال"بما أن الاستعمال يختلف باختلاف المقام؛ أي ما يقتضيه اختلاف المخاطب وحال الخطاب.

ثم يلفت نظرنا إلى الحالة التي يكون عليها المخاطب في تلقي الخطابات فيماثل السكاكي بين جوهر الكلام البليغ والدرة الثمينة غالية الدرجة والقيمة (102) فكذلك قيمة الكلام تكمن في أن يوفى حقه من الإصغاء (103) . بالإضافة إلى جملة من الشروط الأخرى التي يجب توفرها في المخاطب أثناء سماعه للخطاب وهي:".... أن يلقى من القبول له والاهتزاز بأكمل ما استحقه ولا يقع ذلك مالم يكن السامع عالمًا بجهات حسن الكلام ومعتقدًا بأن المتكلم تعمدها في تركيبه للكلام عن علم منه، فإن السامع إذا جهلها لم يميز بينه وبين ما دونه وربما أنكره" (104) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت