فهرس الكتاب
بني التّرديد في هذا البيت على صورة توزيعيّة، تتردّد فيه اللّفظة (نجم) تردّدًا كلّيًا مرتبطة فيه بمعنى واحد هو الهدى، ولكنّها تتفرّع عن ذلك لتجسّد هذا المعنى في شيء محسوس مرئيّ يمثّله قطبان: الجدي والفرقد. وهو المسوّغ الّذي جعل اللّفظة المردّدة تُوهِم بأنّها ارتبطت بمعنى آخر غير المعنى الأوّل. وهذا النّمط من التّركيب التّحليلي يفيد، فيما يفيد، التّخصيص والتّوكيد للّفظ (نجما) كما أنّه يفيد معنويًا ودون تكرار لفظ (هدى) . وللألفاظ المكرورة وظائف نحوية متناسبة ومتطابقة، الأولى مبتدأ والأخريان كلتاهما خبر. ... * ... لاثْنَيْنِ ثَانٍ إذْهُمَا في الْغَارِ
ومما سبّبه الاستدراك قوله يمدح"المعتصم" ( [26] )
-ثَانيهِ فِي كَبِدِ السَّمَاءِ وَلَمْ يَكُنْ
ثانيًا: الترّديد الاشتقاقي: ... رَخُصَتْ لَهَا الْمُهَجَاتُ وَهْيَ غَوَالِ
ونعني به تردّد اللّفظة مع اختلاف في البنية أو في الزّنة ممّا يوحي التباسها بالتّجنيس. غير أنّ الّذي يفصلها عن الجناس النّاقص هو الجذر اللّغويّ ومجال الاستعمال الدّلالي. وعليه فإنَّ الجذر المعجميَّ هو المعيار المرجعي لهذا الصنف من التّرديد.
ولعلّ أهمّ ما يستشفّ في هذا المجال هو أنّها تجسّد حرّيّة الشّاعر في التّعبير عن أغراضه ومقاصده، ومن ثمّ الكشف عن أهمّ خاصية من خاصيات العربية وهي الخاصية التّصريفية. وذلك ممّا يجعل دلالة التّرديد، ضمن سياق الخطاب، في حركة متجدّدة كما أنّها تستجيب لأحوال الخطاب المختلفة. وإذا كان كذلك فلقد كان شيوعها في الشعّر العربيّ، وفي شعر أبي تمّام وافرًا جدًّا. من ذلك قوله يمدح"المعتصم" ( [27] ) :
-غَضِبَ الْخَلِيفَةُ للْخلافَةِ غَضْبَةً
فالتّرديد واقع في صدر البيت على نحو يجعله مؤطَّرًا باللّفظتين المتردّدتين، وقد ارتبطتا نحويًّا ودلاليًّا. ... عَفْوًا وَيَعْتَذِرُ اعْتِذّارَ الْمُذْنِبِ