فهرس الكتاب

الصفحة 19619 من 23694

والخلاصة، أنّنا لم نشأ أن نفرّق بين التّرديد والتّعطّف باعتبارهما شيئًا واحدًا ومن حيث كان الفرق بينهما في نظر البلاغيّين العرب لا يتعلّق بالمفهوم ولا بطبيعته، وإنّما جعلوا الفرق بينهما في الموقع لا غير، لذلك كان هذا التّمييز في نظرنا دقيقًا جدًّا إلى درجة المبالغة، وقد أدّى ذلك إلى تشتيت الظّاهرة الواحدة وتمييعها.

وقد يبدو استغلال مصطلح التّعطف، من الناحية المنهجية، وسيلة مناسبة لدراسة الظّاهرة، إلاّ أنّ هذا المسلك وصفيّ لا يراعي حركية التّرديد ولا أشكاله التّمييزية، فضلًا عن أنّه يُسقط الدّارس في الاستطراد والتّكرار باعتبار الظّاهرة واحدةً في طبيعتها ومظهرها. ويتّسم التّرديد في شعر"أبي تمام"بالانسجام والتّناسب لقيامه على بعدين اثنين:

الأوَّل: البعد الإيقاعي: فالتّرديد لا يند عن البحر الخليلي وإنّما تقع الألفاظ المتردّدة وفقًا للوزن وتتناسب معه، فلا يتحطّم المعيار المرجعيّ إلاّ بالقدر الذي تسمح به مسّوغات العروض ورخصها. يضاف إلى ذلك تكرار الحروف وأحيانًا تكرار الحركات. وهو ما يطبع الألفاظ المتردّدة بمسحة إيقاعية من حيث كان الإيقاع نفسه ترديدًا وتناسبًا مضبوطًا للوحدات الصّوتية.

الثّاني: البعد التّركيبي: تحتلّ الألفاظ المتردّدة تارة موضعًا متماثلًا فتؤدّي وظيفة نحويَّة واحدة، ممّا يضمن الانسجام والتّناسب، ويؤهّل التّرديد لأداء دور إيقاعي متميز.

وقد ترتبط الألفاظ المتردّدة تارة أخرى ارتباطًا نحويًّا إسناديًا أو غير إسناديّ. وإزاء هذا الارتباط تبرز علائق أخرى نحويّة وصرفيّةأأ ودلاليّة تمثّل محور التّوقيع وأدواته الفاعلة فيه إضافة إلى كونها عناصر إيقاعية ثانويّة غايتها تدعيم النّموذج الخليليّ المعتمد.

وللتّرديد بَعْدَ هذا ثلاثُ وظائف متكاملة:

1)-الوظيفة الإيقاعية، وأبرز ما يمثّلها ترديد اللّفظة نفسها فضلًا عن السّمات الأخرى المتعلّقة بمواضع ترديدها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت