فهرس الكتاب
انصب اهتمام علماء العربية على دراسة الجملة والكلام، لأن كلًا منهما -حسب الرأي الأول أو الثاني- يشتمل على مسند ومسند إليه. ويعني ذلك أن الجملة والكلام تركيبان إسناديان. ولم يهتم علماء العربية بدراسة التراكيب غير الإسنادية، بل اكتفوا بالإشارة إلى أنها اجتماع كلمات غير مؤتلفة. ويعود السبب في ذلك إلى أن علماء العربية استخدموا في دراستهم للعربية منهجًا بنيويًا وظيفيًا، لأن دراستهم استهدفت اكتشاف القوانين التي تحكم اللغة العربية كنظام، فاستوجب ذلك منهم الانطلاق من الوحدة التي لا تنفصم بين الشكل والمضمون، لأن البنية اللغوية لا تستقل عن وظيفة الاتصال التي تؤديها اللغة. وقد توسع الإمام الجرجاني في استخدام هذا المنهج البنيوي الوظيفي حين بحث في نظم الكلم. فعمد إلى بيان ارتباط خصائص بنية الكلمة المفردة بالوظيفة التي تؤديها في الكلام، انطلاقًا من الوظيفة الأساسية للغة كوسيلة لاتصال الناس بعضهم ببعض.
يستهل الإمام الجرجاني"دلائل الإعجاز"بما يلي:"معلوم أن ليس النظم سوى تعليق الكلم بعضها ببعض، وجعل بعضها بسبب من بعض. والكلم ثلاث: اسم وفعل وحرف، وللتعليق فيما بينها طرق معلومة، وهو لا يعدو ثلاثة أقسام، تعلق اسم باسم وتعلق اسم بفعل وتعلق حرف بهما.. ومختصر كل الأمر: أنه لا يكون كلام من جزء واحد، وأنه لابد من مسند ومسند إليه.. وجملة الأمر: أنه لا يكون كلام من حرف وفعل أصلًا، ولا من حرف واسم إلا في النداء نحو (يا عبد الله) . وذلك أيضًا إذا حقق الأمر كان كلامًا بتقدير الفعل المضمر الذي هو (أعني وأريد وأدعو) ، و (يا) دليل عليه وعلى قيام معناه في النفس. فهذه هي الطرق والوجوه في تعلق الكلم بعضها ببعض. وهي كما تراها معاني النحو وأحكامه" (16) .