فهرس الكتاب

الصفحة 19779 من 23694

إن المتأمل في التسامح الديني الذي عرف به الأمير أثناء وجوده في الجزائر وأثناء وجوده خارجها،"يدرك أن الرجل كان يفهم روح العصر وحاجات التعايش بين الشعوب، فموقفه من رجال الدين الفرنسيين في الجزائر، وتصريحه في كنيسة المادلين حين قال: حينما بدأت مقاومتي للفرنسيين كنت أظن أنهم شعب لا دين له، ولكن تبينت غلطتي. وعلى أي حال فإن مثل هذه الكنائس ستقنعني بخطئي." (20) وتكشف بعض المواقف، كتدخله أثناء فتنة الشام، وقبوله عضوية الجمعية الماسونية بناء على بعض الروايات (21) ، أن الرجل كان مطلعًا على التيارات الفكرية وروح العصر والأديان السماوية، ونزعات الناس، في الوقت الذي"عرف فيه بالتصلب والتمسك إلى أقصى حد بالمبادئ الأساسية الإسلامية." (22) ومما يؤكد هذا التوجه ما كتب على النصب التذكاري الذي أقامه الفرنسيون للأمير في كاشرو (معسكر بالجزائر) ، وينسبونه إلى الأمير: لو أصغى إلي المسلمون والنصارى لرفعت الخلاف بينهم، ولصاروا إخوانًا ظاهرًا وباطنًا.

وإذا كان تاريخ الأمير عبد القادر وسيرته العسكرية معروفة من قبل الجميع،"خاصة حربه ضد الاستعمار الفرنسي، ومشروعه السياسي الذي أراد من خلاله تجميع القبائل الإفريقية حوله وإعادة تكوين جنسية عربية على حد تعبير المترجم، فإنه في الآن ذاته يكون قد تصور- على الرغم من البعد الزمني وطول الفترة: ثلاثة عشر قرنًا- إمكانية إعادة ما قام به النبي محمد ( في الجزيرة العربية."(23)

وما يلاحظ هو أن المترجم يلجأ في كل مرة إلى الموازنة ما بين الرجلين، وكأنه كان يرى في الأمير مجددًا للدين أكثر منه رجل حرب وسياسة وعلم، غير أن هذه الموازنة تكشف له اختلاف الظروف التاريخية، واختلاف المنهجين في تبليغ الرسالتين: الرسالة المحمدية ورسالة الأمير، وكذا طريقة نشرهما في المحيط الديني والإتني والجغرافي. وتأسيسًا على هذه القناعة يقلع عن هذا النهج ليركز على نشاط الأمير الفكري لا غير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت