فهرس الكتاب
إن طبيعة الإخبار الشفاهية عبر الأشخاص والأجيال تؤدي تلقائيًا إلى إعادة إنتاج أو إعادة صياغة، مع تغيير طفيف في الأسماء والأفعال والأقوال وردود الأفعال والأقوال، لمفردات الخبر الفكاهي، وأن عملية إعادة الإنتاج/ الصياغة هذه تستوجب أسانيد جديدة وهكذا. ويزداد الحرص على تلك الأسانيد بشكل أكبر إذا كانت الأخبار الفكاهية المعاد إنتاجها/ صياغتها آتية من ثقافات أخرى.
كما أن الموقف الفكاهي هو موقف قصصي ذو طبيعة سردية، والسرد يتطلَّب إلى جانب صيغ الإخبار والإسناد الانتقال إلى الزمن الماضي لتنفتح آفاق المتخيل السردي لدى المخاطَب، وتتحقق المتعة والشوق لمتابعة الموقف/ الخبر حتى نهايته. ولا يخفى أن الإسناد في رواية المواقف/ الأخبار يعني أن السارد/ ابن الجوزي مفارق لمرويه، فهو يروي ما ليس له، وبذلك يحفظ وقاره، على اعتبار أن الضحك لا يليق بابن الجوزي وأمثاله، وناقل الكفر ليس بكافر أيضًا، على الرغم من أن المخاطَب يعي جيدًا أن ابن الجوزي يقوم بإسناد الرواية إلى غيره، وهو الراوي الحقيقي لها. ويؤكد ذلك أن كثيرًا من الروايات تسند لشخصيات نكرة (نمطية) مثل: بلغنا أن رجلًا، أو حكى فقيه، أو أذن مؤذن، أو سئل أعرابي، دون أن يذكر اسم الرجل أو الفقيه أو المؤذن أو الأعرابي.
أما صيغ الإسناد أو الإخبار فكثيرة وكلها أفعال في الزمن الماضي مثل: حدَّثني... أو حدثنا... أو قال... أو سمعت... أو عن... أو سأل... أو حكى... أما الرواة الذين نقل عنهم ابن الجوزي تلك الأخبار/ المواقف الفكاهية فكثيرون؛ منهم معارف كالجاحظ وابن الأعرابي والثعالبي والتنوخي وابن المرزبان وأبي العيناء والبحتري وأبي تمام وغيرهم، ومنهم نكرات كبعض المُؤَذِّنين والقُرَّاء والمُدَرِّسين والمُحَدِّثين والأعراب والغلمان وغيرهم.