فهرس الكتاب
وكأن ابن الجوزي يصرخ محتجًا متألمًا حينًا، لما آل إليه أمر بعض الأمراء والوُلاة والقُضاة في مجتمعه، وساخرًا بمرارة، حينًا آخر، من كثير من الفئات الاجتماعية كالقُرَّاء الذين لا يحسنون قراءة القرآن، والمحدثين الذين لا يعرفون قراءة الأحاديث النبوية، والمؤذِّنين، والأئمة وغيرهم. ويروي ابن الجوزي كثيرًا من الأخبار الفكاهية في ذلك، كقوله:"وقال القاضي المقدمي: قرأ علينا عثمان بن أبي شيبة: جعل السقاية في رجل أخيه، فقيل هي: (في رحل أخيه) فقال: تحت الجيم واحدة" (36) ، وكقوله:"وحكى لنا أبو بكر بن عبد الباقي البزاز: صَحَّفَ رجل فقال: حدثنا سقنان البوري، عن جلد المجدا عن أتش عن النبي ( قال: اذهبوا عنا، أراد سفيان الثوري، عن خالد الحذَّاء، عن أنس، عن النبي ( قال: ادهنوا غِبًا"(37) .
"وعن أبي بكر النقاش قال: حدثنا أن أعرابيًا سمع مؤذنًا كان يقول: أشهد أن محمدًا رسول الله بالنصب. فقال: ويحك فعل ماذا؟" (38) ، وعن محمد بن خلف قال: مرَّ رجل بإمام يصلي بقوم فقرأ: ألم غلبت الترك. فلما فرغ قلت: يا هذا، إنما هو (غلبت الروم) فقال: كلهم أعداء لا نبالي من ذكر منهم" (39) ."
وهكذا جعل ابن الجوزي من هذا المكون السردي/ البطل الأحمق أو المغفل، أداة فنية، حقق من خلالها أهدافه وغاياته وكشف عن مدى المأساة السياسية التي يعيشها في ظل الدولة السلجوقية، حيث فساد الوزراء والولاة وصراع السلاطين والخلفاء، وحَذَّرَ من خطورة انتشار هذه النماذج على حساب دولة الخلافة العباسية. وكشف الأقنعة عن كثير من النماذج لفئات اجتماعية سادت في مجتمعه، وحقق ذلك من خلال المتعة الجمالية في سرد تلك الأخبار الفكاهية، فعوَّض نفسيًا عمّا بداخله من ضيق وألم لتردي كافة الأوضاع في زمنه.
6/5-السارد والمخاطب: