فهرس الكتاب
كما حرص ابن الجوزي على أن يكون مفارقًا لمرويه، فهو يسرد ما سمع أو قرأ أو شاهد دون أن يجعل لنفسه دورًا أو مكانًا فيما يسرده، وإذا ظهر ابن الجوزي في"أخبار الحمقى والمغفلين"متماهيًا لمرويه فإن هذا الظهور كان قليلًا جدًا، في الباب الرابع والعشرين. وربما حقق ابن الجوزي بذلك أمرين: الأول، أن إسناد الرواية إلى الراوي، وتحوله هو مُخَاطَبًا، ساعده كثيرًا على مشاهدة الموقف الفكاهي والاستمتاع به عن بُعد، فكم راوٍ لطرفة اليوم يضحك ويستمتع بما يرويه أكثر من المخاطَبين المروي لهم، والثاني أن ابن الجوزي أبعد شبهة مشاركته أو روايته لأخبار فكاهية، فهو مجرد سارد لها فقط، وناقل الكفر ليس بكافر. مع أن قارئ أخبار الحمقى والمغفلين لابن الجوزي قد يستنتج أن كثيرًا من الأخبار غير المسندة إنما هي من وضع ابن الجوزي نفسه، ولا سيما المحتشم منها. أما المخاطَب المستقبِل لتلك الأخبار الفكاهية السردية فهو القارئ وليس المستمع. إذ لم يشأ ابن الجوزي أن يكون ساردًا مباشرًا لتلك الأخبار الفكاهية، ولم يرد أن يلتقي مع المخاطَب مباشرة ليجعل منه مستمعًا، فذلك لا يتناسب مع شخصية ابن الجوزي الجادة ولا يستقيم مع مكانته العلمية. لقد أراد ابن الجوزي أن يخلق مسافة زمنية ونفسية، وحاجزًا مكانيًا بينه وبين مخاطبه، فتجاوز المستمع المباشر إلى القارئ البعيد فجعل القارئ مخاطَبًا والراوي ساردًا، فيما اكتفى هو بدور السارد الخفي.
7-أنماط الإخبار ومادته:
لقد استفاد ابن الجوزي في سرد أخباره الفكاهية، كما فعل أصحاب النوادر والملح، من الموروث القصصي الفكاهي العربي، سواء في المادة والمصادر أو أنماط الإخبار. وكما اتضح يمكن ردّ مادة الأخبار الفكاهية في"أخبار الحمقى والمغفلين"إلى مصادرها من القرآن الكريم، والحديث النبوي الشريف، وقواعد النحو العربي، وأخبار اللحن، وحكايات الحمق والتغفيل، والشعر العربي وغيرها.