ومُنْتَقِياتٌ بالضياءِ وَضاءةً
خُلِقْنَ من الأضدادِ فاسودَّت الذُّرا ... سوادَ الدُّجى وابيضَّتِ البَشَرات
ومِسْنَ وكُثْبانُ المَآزِرِ رُجَّحٌ ... وقُضْبانُ ما وُشِّحْنَ مُضْطَمْرات
بَكَرْنَ على باكورتي فابْتَكَرْنَها ... وهُنّ لها إذْ ذاك مُبْتَكِرات
كلانا اجْتَنَى ما يشتهي من خليله ... فأغصانُ ما نهواه مُنْهَصِرات ( [1] )
يصف ابن الرومي في هذه الأبيات البديعة فتيات جميلات؛ شعورهن سود، وبشراتهن بيض، وكأن ضياء بشراتهن نقاب يغطي وجوههن، كما أن شعورهن السود نقابٌ يستر ضياء تلك الوجوه، قاماتهن ناحلة مياسة كقضبان البان، تحتها أردافٌ رجراجة ككثبان الرمل تتحرك كلما داعبها النسيم، وقد بادرن الشاعر بالوصال، وكن أول من قطف ثمار شبابه ونشاطه كما يُقطف الثمر عندما يطيب، فاجتنين منه ما يشتهين، واجتنى منهن ما يشتهي، بعد أن استجبن له من غير إكراه، وملن عليه كما تميل الأغصان من غير أن تنكسر. ... نشتهيه فهل له تَجريدُ
وهذه الأبيات كسجادة فارسية بديعة، تختلط فيها الخيوط والألوان، فلا تدري العين أين يبدأ هذا الخيط وأين ينتهي، وأين أول اللون وأين آخره. نعم إن المرء ليحار في هذا المزج البديع بين المرأة والطبيعة، فهل الضياء من بشراتهن، أم أن بشراتهن صنعن الضياء؟ وكذلك الشعر وسواد الدجى، والقامات والقضبان، والأرداف الثقيلة وكثبان الرمل، ثم يزيد الشاعر المعنى حيرة؛ فعمره زرع له ثمر (الشباب) ، لذا كان لا بد لهذا الثمر من قطاف (الوصال) . إن الموضوع كله يكتنفه التداخل والامتزاج، حتى صارت الطبيعة امرأة، والمرأة طبيعة، وصار الوصل اجتناء لثمار الشوق والشهوة.