فهرس الكتاب
وأول ما نلاحظه في ابن الرومي أنه ينظر إلى الجمال -في الطبيعة والمرأة والفن- نظرة نفعية، فالجميل عنده هو النافع مهما تعددت وسائل هذا الانتفاع واختلفت وتداخلت، لأن الأمر كله مبني على هذا النفع؛ فالطبيعة جميلة إذا أسعدته بنسيمها أو بمناظرها أو بثمارها، وقبيحة إذا كانت غير ذلك، وكذلك المرأة؛ هي جميلة إذا حنت عليه وواصلته أو أسعدته، فإذا أعرضت عنه أو لم تستجب له هجاها وألصق بها كل صفات السوء والقبح، وكذلك الأمر في الفن؛ فالغناء ليس جميلًا في ذاته إلا إذا أمتعه، ويجب أن تكون المغنية جميلة تحبه وتحنو عليه، أو لا تصده ولا تزدريه على الأقل، وإلا فالويل لها، لذا كانت المغنيات اللواتي يعجبنه جميلات رقيقات المشاعر، وصفهن وامتدح غناءهن وجمالهن، في حين مسخ المغنيات الأخريات وأظهرهن قبيحات الشكل والصوت معًا. ولعل هذا الفهم للجمال هو الذي يشيع في كل شعره، إذ لم نجد نصًا شعريًا واحدًا لديه يجتمع فيه قبح الصوت بجمال المنظر، أو قبح المنظر بجمال الصوت، مما يؤكد ما قلناه من توحد نظرته إلى الجمال. ومن أجله لم يكن معجبًا بكثير من المغنين الذكور لأنهم لم يكونوا جميلين من حيث الشكل، فهجاهم ونفى عنهم الجمال شكلًا وصوتًا وخُلُقًا.
لكن حب ابن الرومي للمرأة كان -غالبًا- حبًا شهوانيًا، يتشهى فيه وصالها، تشهي العطشان إلى الماء الزلال، حتى لو كان يحبها حبًا صادقًا، لأنها في النهاية امرأة؛ فقد نالت المغنية (وحيد) ثقته وحبه، فتغنى بجمالها وجمال صوتها، لكنه كتم تشهيه إليها زمنًا حتى ضاق به صدره، ولم يستطع الاستمرار في كتمانه، وإن كان يعلم أنْ لا سبيل إلى تحقيق ما يريد ( [2] ) :
قد مَلِلْنا من سَتْرِ شيءٍ مَليحٍ
هو في القلب وهْو أبعدُ من نَجْـ ... ـمِ الثريا فهْو القريبُ البعيد
ويقول في موضع آخر ( [3] ) : ... ولكنْ لا سبيلَ إلى الورودِ
أرى ماءً وبي عطشٌ شديدٌ