فهرس الكتاب

الصفحة 19868 من 23694

ولكن لماذا (لا سبيل إلى الورود) ؟ أبسبب تمنع المرأة عليه؟ أم لعجزه عن وصالها على الرغم من تمكنه منها؟ أم لأسباب أخرى؟ يخيل إلي -بعد قراءة شعر ابن الرومي في هذا المجال، والغوص في أعماق نفسه- أنه لم يستطع الوصول إليها لأسباب تتعلق بشكله وسلوكه وعلله، فإن وصل إليها حقًا خيبت عَنانَتُه مرادَه، وبدا وصالها مستحيلًا، وورود مائها لا سبيل إليه كما يقول. إنه عاجز عنها في كل أحواله مهما عمّى علينا هذا العجز. وكان هذا العجز يعذبه، لكن أكثر ما كان يعذبه -كما يقول- أن يرى الجمال والفتنة أمامه من غير أن يشبع نهمته منهما، وكأن المرأة تتلذذ برؤيته محرومًا من وصالها، بعد أن عرضت أمام عينيه جمالها فسبت فؤاده، ثم تركته يتحسر على وصالها الضائع، وبروق وعودها التي لا تمطر، إنها في النهاية الثمرة التي لم تُجْنَ، والصيد الذي نفر وهرب من الصياد ( [4] ) : ... وتَروقُ بالإثمارِ والإيراقِ

يَهْزُزْنَ أغصانًا تَباعَدُ بالجَنَى

ومن البليةِ منظرٌ ذو فتنةٍ ... نائي المنافعِ شاعِفُ الإيناق

ومن العجائب أنْ سَمحنا للهوى ... بدمائنا وبَخِلْنَ بالأَرْياق

مُرْنٌ يُمِطْنَ الرِّيَّ عن أفواهنا ... ويُجِدْنَ للأبصار بالإبْراق

صَيْدُ حُرمناه على إغراقنا ... في النَّزْعِ والحرمانُ في الإغراق

فالمشكلة الأساسية في علاقة ابن الرومي بالمرأة تكمن في تشهيه إياها وصدها له، وما ينتج عن ذلك من عذاب وحرمان، حتى ليخيل إليه أن حرمانه من المرأة سيلازمه طوال حياته، وأنه لو رآها في الأحلام فلن يقدر على وصالها، وكل ما سيخلفه ذلك الحلم جنابةٌ تلحق به وهو نائم، فَيَغْرَم -علاوة على صدها-أجرة الحمام كما يقول ( [5] ) : ... حتى مُنِعْتُ مَرافِقَ الأحلامِ

ولقد مُنِعتُ من المَرافقِ كلِّها

وأرى الحبيبَ إذا أَلَمَّ خيالُه ... ومَرامُ قُبْلَتِه أعَزُّ مَرام

فَأهُبُّ قد وَجَبَ الطُّهورُ ولم أنَلْ ... ممن هَوِيْتُ سوى جَوّى وسَقام

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت