فهرس الكتاب

الصفحة 19870 من 23694

فما أسباب سوء ظنه بالمرأة، ووصفها بتلك الأوصاف التي أشرنا إليها؟ وهل كان ابن الرومي مفتريًا على المرأة أم أنه كان صادقًا في رأيه فيها؟ يخيل إلي أن الإجابة تكمن في شخصية ابن الرومي نفسه وفي أخلاقه وشكله وسلوكه، أكثر مما تكمن في المرأة نفسها في كثير من الأحيان؛ فقد كان في ابن الرومي صفات تبعد المرأة عنه، وتنفرها منه؛ إذ كان قبيح المنظر، إلى حد الاستعاذة منه ( [10] ) ، أصلع، يضع العمة على غير عادة الشبان في مثل سنه ( [11] ) ، غزا الشيب شعر رأسه ولحيته في الحادية والعشرين من عمره ( [12] ) ، وساد فيهما وهو دون الثلاثين ( [13] ) ، فاضطر إلى تخضيب شعر لحيته القصير، أو نتف شعراتها البيض، وكان مضطرب الأعصاب، يمشي مختلجًا وكأنه يُغَرْبِل أو يدور حول نفسه، ضعيفَ البصر والسمع، عليلًا دومًا، هزيلًا وكأنه لم ينضج في رحم أمه كما يقول، قذر الملبس والهيئة، سريع الغضب، سليط اللسان، يبدو كالمذعور المتوجس شرًا، وقد اتهمه معاصروه بأنه منحوس مشؤوم، فاعترف بذلك مدعيًا أن نحسه على نفسه لا على غيره ( [14] ) . ... ـحَ وأُعْقِبْتُ منه شَرَّ عَقيبِ

وقد أدت العلل التي أصابت بدنه، والحرمان المبكر من زوجته، والإفراط في استهلاك طاقته الجنسية بطرائق غير طبيعية إلى اعتلال في جهازه العصبي والجنسي ( [15] ) ، فكان يتهم بالضعف الجنسي والتخنث، حتى إن قومًا رفضوا خطبته لابنتهم بسبب هذا التخنث ( [16] ) . وقد اعترف ابن الرومي نفسه بعنانته في معرض كلامه على خيبته مع زوجته (لعله تزوج امرأة أخرى بعد موت زوجته، ثم طلقها لعنانته، فقد كان له ثلاثة أولاد من الأولى رثاهم في شعره، أو أن هذه العنانة لحقت به بعد موتها) ، وأشار إلى هذا بقوله يبكي شبابه الراحل وما جره عليه من عنانة ( [17] ) :

لَهْفَ نفسي على القِناعِ الذي مَحْـ

منع العينَ أن تَقَرَّ وقَرَّتْ ... عينُ واشٍ بنا وعينُ رقيب

نَفَّرَ الحِلْمَ ثم ثَنَّى فأمسَى ... خَبَّبَ العِرْسَ أيّما تَخبيب

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت