فهرس الكتاب

الصفحة 19884 من 23694

ويطول القول بنا لو رحنا نتتبع أشعاره التي على هذه الشاكلة من التداخل بين الطبيعة والمرأة، لأنه لم يتصور المرأة منفصلة عن الطبيعة، ولا الطبيعة منفصلة عن المرأة، إنها حالة حلول وتقمص تتبادل فيه الطبيعة والمرأة الأدوار، وتنتقل فيه اللغة من معجم هذه إلى معجم تلك، من خلال مزج واعٍ أو غير واع، مما يؤكد لنا أنه كان ينظر إلى الطبيعة بقلبه لا بعينيه، وكأن الطبيعة ذات تركيب نسوي. من ذلك قوله من قصيدة يمدح بها أحد الولاة بعد مقدمة غزلية بديعة، وصف فيها طيف امرأة أَلَمَّ به في المنام، لكنه لم يكن طيفًا لامرأة فحسب، بل كان للطبيعة نفسها بمختلف ثمارها وعطورها، لكن هذه المرأة لم تُنِلْهُ جناها، وإن تراءى له القطاف، لأن المرأة تأبَّتْ عليه ( [9] ) :

طَيْفٌ عَراني فحياني وأتحفني

وكم أَلَمَّ فأهدتْ لي محاسِنُه ... من الفواكه والريحان أصنافا

رُمانَ عَدْنٍ وأعنابًا مُهَدَّلَةً ... وأُقْحُوانًا يُسَقّي الراحَ رَفّافا

ويانعًا من جَنَى العُنّاب تُتَبِعُه ... قلبَ المُوَدِّعِ تَذكارًا وتأسافا

أسْرَى بأنواعِ ريحانٍ وفاكهةٍ ... يَأْبَيْنَ قَطْفًا وإنْ خيَّلْنَ إقْطافا

وواضح أن ابن الرومي يذكر الطبيعة مع المرأة ويقرنها بها، لكنه لا يذكر ذلك إلا انطلاقًا من نظرته النفعية إلى الجمال، فلا بد من القطاف والجنى، فالمرأة والطبيعة ليستا جميلتين في ذاتهما، ولكنهما تصبحان جميلتين إذا قَطف ثمارهما وتلذذ بها. ... نازَعتْهُ قلوبُنا الأحْشاءَ

وشهوته الجنسية إلى المرأة التي تحولت إلى الطبيعة جعلته يتخيل أكْل الثمرة ضُروبًا من الاتصال بالمرأة ويضرب التلذذ بأكل الموز مثلًا لذلك ( [10] ) .

بل إن هذا الموز لا يدخل إلى البطون، وإنما يدخل إلى القلوب ( [11] ) :

لو تكونُ القلوبُ مأوَى طعامٍ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت