فهرس الكتاب
ولما كانت الطبيعة متعددة في مظاهرها وثمارها وعطورها والمرأة واحدة كان لا بد للمرأة أن تتعدد حتى توازي الطبيعة، فلجأ ابن الرومي إلى حيلة قديمة عرفها الشعراء قبله؛ إذ صور المرأة مع أتراب لها من النساء الجميلات، ثم قدمها عليهن تقديم البدر على النجوم، وراح بعد ذلك يتفنن في تصوير جمالهن من خلال مزجه بجمال الطبيعة وعناصرها المختلفة، ثم يتأملهن فيراهن لابسات أصنافًا فاخرة من الدر، فيتساءل: هل تحلَّين بفاخر الدر أم أنهن الدر نفسه؟ ويجيب عن تساؤله بقوله: إنهن لم يتحلين بالدر، بل كن هن الدر، وكان الدر الطبيعي أصدافًا تحيط بهن، ويتساءل من جديد: هل شعورهن السود ليل ألقى سواده على صباح وجوههن، أم أن الوقت ليل نثر ظلمته على الكون كله، فصبغ الأشياء بالسواد؟ وهل هذه الشعور السود تحجب ضياء وجوههن كما يحجب الظلام ضياء الشمس، أم أن ضياءهن هو الذي خرق ظلمة الليل؟ ثم ينعم النظر في ملابسهن الملونة وروائحهن العطرة وقاماتهن اللينة التي حملت أصناف الفاكهة المختلفة من تفاح ورمان وأعناب، فلا يجد نفسه إلا أمام روض بكل ما فيه من ثمار وعطور تغري باللمس والشم والذوق ( [12] ) : ... أحْدَقْنَ بالبدرِ أشباهًا وأُلاّفا
في شيعةٍ كالنجومِ الزُّهْرِ مُعْتِمَةً
بِيْضٌ كُسيْنَ حُلِيًّا لا كِفاءَ لها ... حُسنًا فأَكْسَفْنها بالحسن إِكْسافا
شُبِّهْنَ بالدُّرِّ إذ أُلْبِسْنَ فاخِرَه ... بل كُنّ دُرًّا وكان الدّرُّ أصدافا
يا حُسْنَ ليلٍ وإصباحٍ جَمَعْتَهما ... والليلُ مُلْقٍ على الآفاق أكنافا
غُرٌّ تَجَلَّلْنَ أسْدافًا مُرَجَّلَةً ... على وجوهٍ وِضاءٍ جُبْنَ أسدافا
ومِسْنَ في حُلَلِ الأَفْوافِ عاطرةً ... فخِلْتُهنّ لبسنَ الروضَ أفْوافا