فهرس الكتاب

الصفحة 19886 من 23694

وهذا الامتزاج يعكس -كما قلنا- توحد نظرة ابن الرومي إلى الطبيعة والمرأة، بل إلى الجمال كله، حتى تختلط عليه الأمور، لكنه في النهاية امتزاج يعود عليه بالنفع، على الرغم من محاولاته التركيز على جماله. من ذلك قوله يصف حبيبًا مُنَعَّمًا تمتّع بجماله وبما منّحه إياه هذا الجمال ( [13] ) : ... كشفائِه ويَشِفُّ مثلَ شَفيفِهِ

ومُنَعَّمٍ كالماءِ يَشفي ذا الصَّدَى

ممن له حُسْنُ الرحيقِ وطِيبُه ... ومَراحُ شارِبِهِ وَمَشْيُ تَريفِه

تَلْقى جَنَى التفاحِ في وجناتِه ... وترى جَنَى العُنّابِ في تَطْريفه

مَتّعْتُ منه مسامعي ومَراشفي ... بنثيرِ لُؤلُئِهِ وماءِ رَصيفه

وفي هذه الأبيات شيئان لافتان للنظر؛ أولهما ذكر المحبوبة بصيغة المذكر، وهذا كثير في شعر العرب، ولعل ابن الرومي يركز هاهنا على عنصر الذكورة المؤدي إلى الخصب والتكاثر، لأنه يقرنه بالماء والعطش، وثانيهما تشبيه نعومة جسد المحبوب بالماء الصافي الذي يشف عما تحته، وهذا الماء أساس للحياة والخصب ( [14] ) ، وبذا تصبح هذه المرأة أساس الحياة ومجلى الجمال فيها، وإن كان جمالًا نفعيًا في النهاية، لأن الشاعر لم يكتف بالتأمل في جمالها فحسب، بل جنَى وارتشف، لأنه لم يكن يعنيه التأمل نفسُه، بقدر ما يعنيه ما سيحققه له هذا التأمل من نفع ولذة. ... فما أملحَ المرعى وما أعذبَ الوِرْدا

ولما كان الماء أساس الحياة فإنه قرنه بالخضرة والمرعى، لأن الماء يخصب الطبيعة ويجعلها تحمل خضرة وثمارًا وعطورًا، كما يخصب الرجل المرأة، ويجعلها تحمل أطفاله، لذا كان لا بد من الجنى في كلتا الحالين، فالجنى دائمًا هو خاتمة الخصب، وتتويج له في ذلك اللقاء، وما أعذبه من لقاء ووردٍ كما يقول ( [15] ) :

وأبصرتُ في خديه ماءً وخضرةً

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت