فهرس الكتاب
والغالب في نظرته إلى الطبيعة أنها لم تكن ملجأً وملاذًا يحتمي به، وصدرًا حنونًا يشكو إليه همه كلما ضاقت نفسه، ولم يعشقها إلى حد الفناء فيها على مذهب الرومانسيين، بل كان يراها حضنًا نسويًا، وثمارًا يجب أن تُجْنى، فإن لم يكن هناك وِرْدٌ أو جنى وقطاف فلن يكون جمالٌ ولا فتنة، بل سيكون القبح والتطير والتشاؤم، وهذا ما رأته عيون قلبه في منظر شجرة عارية يابسة لا ظل لها، تصلح لتكون موضوعًا فنيًا جميلًا بنفسه، لكنه لم ير ذلك لأنه كان يقرن الجميل بالنافع كما أسلفنا القول. ولما كانت الشجرة لا نفع فيها من ثمرٍ لجانٍ، وحطب لمحتطب فقد دعا عليها بالموت، وأن تكون هدفًا لنوائب الدهر، وألا يسقط عليها المطر، ثم تأملها متطيرًا من منظرها، وخَيَّل إليه تطيره أن شوكها ربما يخبئ الأفاعي. إنه في النهاية يجعلها مثالًا للقبح الطبيعي، وإن كان قد زاده قبحًا بما خلعه عليه من مشاعر النفور والكره ( [16] ) : ... منحتُكَ ذَمّي صادقًا غيرَ كاذبِ
أيا شجرًا بين الرَّسيسِ فعاقِلٍ
نَدِيْتَ ولم تُوْرقْ ولستَ بمثمرٍ ... فكنْ غَرَضًا مُسْتهدَفًا للنوائب
فما فيكَ من ظِلٍّ لِغُلِّ ظَهيرةٍ ... وما فيكَ من جَدْوَى لجانٍ وحاطِب
وفيكَ على حرمانِكَ الخَيْرَ كلَّه ... من الشوكِ ما لا وَكْنَ فيه لآئِب
وأحسبُ ذاكَ الشوكَ لا شكَّ بينه ... أفاعٍ فلا أُسْقِيْتَ صَوْبَ السحائب
وأغلب الظن أن ابن الرومي كان على عادة كثير من الشعراء، يقول ما لا يفعل، ولعله آخر من كان يقرن أقواله بأفعاله، لسوء صحته، ولانصراف النساء عنه. فماذا بقي من أقواله الماجنة في المرأة؟ لم يبق إلا القول، والوصف على التوهم لا على الحقيقة، إنه إذًا يصف ما يهوى، وما يود أن يكون، وليس ما هو كائن، على سبيل الادعاء حينًا، والتعويض النفسي حينًا آخر، واستقصاء المعاني حينًا ثالثًا، وإثبات المقدرة على القول في مختلف فنون الشعر حينًا رابعًا.