فهرس الكتاب

الصفحة 19920 من 23694

لإدراك الوقت لا بد من إنسان، والإنسان هنا قائم في عالم المقامة الافتراضي، وزمنه غير الزمن الذي يسرد فيه عيسى بن هشام نفسه الحادثة على أصحابه؛ ذلك أنه يستعيدها من زمن مضى، لم يحدده بيوم أو شهر أو سنة، بل جعله مرتبطًا بشخصيته، وبأحوالها، وبسلوكها، فهو زمن نسبي متعدد الألوان؛ لأنه مشدود للواقع الخارجي للشخصية، ومرتبط بحالها النفسية ومشدود إلى ضروب مختلفة للسلوك، وهو زمن متخلص من فكرة التاريخ الدقيق للحدث النفسي أو الواقعي، لكنه مرتبط بتاريخ الأحوال والحوادث وموجبات الرضى عن النفس كما سنرى.

لعل المؤلف جعل شخصيته عربية لا تعبأ بالتدقيق في ساعات الزمن دقيقة أو ساعة أو يومًا أو شهرًا أو سنة، بل إن الزمن يأخذ قيمته من وقعه على شخصية الإنسان وارتباطه بتجاربه وما تتركه من أثر فيها.

ولعله كان يرى أن زمنه زمن فني خالد، وليس زمنًا تاريخيًا زائلًا، وهو زمن إنساني مرتبط بشعور الشخصية النموذجية للإنسان الذي تناوله في عالمه القصصي الافتراضي، والمفترض أنها شخصية توافق الشخصيات في العالم الواقعي من جهة التسمية وصور التجربة، ولكنها خالدة بعدم ارتباطها بزمان يعرضها للكبر والشيخوخة والهرم والموت المحقق، وبانخلاع الشخصية من المعنى التاريخي للزمن تتجرد وتتخلص لمفهوم الزمن الفني الذي يجعل الشخصية قابلة للخلود على ارتباطها بعنصر من عناصر الفناء وهو الزمن المفتوح من غير حدود أو قيود سوى الحوادث والوقائع. ولا شك عندي أن لبديع الزمان شيئًا من تأمل الحياة العربية من جهة تكوينه للشخصية، وتأملًا آخر في طريقة القرآن وهو يبني الشخصيات الخالدة التي أعتقها القرآن من قيود الزمان، وإلى حد ما من قيود المكان، لتكون موضع تفكر واعتبارٍ على مدى الأيام، وتغير المكان، خارجة من مفهوم النسبية الذي يحطم خلودها وينفي استمرارها منطلقًا بها إلى شواطئ الخلود، ويطلق قيودها فيخرجها من الخصوص إلى العموم، ومن الفناء إلى البناء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت