فهرس الكتاب
فهناك حال التطهر التي تعيد الإنسان حرًا من ذنوبه كيوم ولدته أمه، فكأنه خلق من جديد، فانتقل من مكة ممتلئًا بالفرح والزهو والتطلع إلى الحياة والرغبة في استطلاعها من جديد بخفة من غير تثاقل يعوق الحركة كالشعور بالإثم، وانتقل من مكة عاصمة الروح والضعف الإنساني إلى بغداد عاصمة السياسة والقوة والسطوة والترف والزينة، بومضة عين من غير أن يحدثنا عما جرى له في الطريق، فقد طوت أشواقه زمان الطريق ومشاقه ومكانه؛ تعبيرًا عن شدة الشوق لدار السلام وغلبة الحال على ما سواها، فتغير المكان من عاصمة الديانة والشعور بالمحاسبة والخوف من الله والرهبة من الحساب والطمع بالعفو والمغفرة والشعور بضيافة الرحمن وكرمه، وأدب الضيف، وواجباته في ذلك المكان الذي يقع في القلب المؤمن موقعًا يدعو للتوقف والتفكر والمهابة والضعف، على خلاف بغداد دولة السلطان الأرضي، والعيش بغير حساب والانغماس باللهو والغفلة والترف والزينة.
هذه الحركة سمة للزمان، وقد التبس بالمكان، فلبس كل منهما الآخر، كما التفت المواقيت الزمانية بأماكنها في شعائر الحج والعمرة، فقد انتقل عيسى بن هشام من زيارة البيت الحرام إلى زمن العيش في بغداد، وقبيل الوصول إلى بيته، وجد أنه لا يشعر بانقضاء زمن زيارة البلد الحرام لأنه مازال يتبختر في مشيته مزهوًا بتخففه من الذنوب، بل لقد خامره شعوره بالولادة من جديد على أنه في حريته ونشاطه وخروجه من الشعور بالقيود التي تشل حركة الإنسان بأنه صار كبقلة طرية بريئة هانئة بحياتها على ضفاف دجلة، تَعُبُّ من الماء غذاءها، وتحركها النسائم العليلة فتهتز لها فرحة بالحياة مزهوة بها مقبلة عليها.